في مطلع العام 2024، وبعدما تسببت سيارة ذاتية القيادة من ماركة وايمو جاغوار، في عرقلة المرور في مدينة سان فرانسيسكو، تجمع حشد من المارة وشرعوا في تخريبها، بداية بتحطيم نوافذها ومن ثم القفز عليها وأخيراً بإشعال النار فيها بواسطة الألعاب النارية. وعند وصول قوات الإطفاء إلى موقع الحريق، لم يعد من الممكن التعرف في ذلك الهيكل المعدني المتفحم على ملامح السيارة التي يبلغ سعرها حوالى ربع مليون دولار. ولعل تلك كانت واحدة من أكثر الحوادث كلفة للتعبير عن الغضب ضد الآلة في ذاكرتنا الحية، وعلى الأغلب منذ تحطيم انتفاضة اللوديين لآلات النسيج في بدايات الثورة الصناعية.
في كتابهما ذي العنوان الطويل "خدعة الذكاء الصناعي: كيف نواجه ضجيج شركات التكنولوجيا الكبيرة ونصنع المستقبل الذي نريده" (الصادر بالإنكليزية عن دار بي إيتش العام الماضي)، تستشهد الكاتبتان إميلي بندر وأليكس حنا، بتلك الحادثة للتدليل على مقدار الغضب من ازدحام شوارعنا بأشياء لا نحتاجها، وتعبئة الإنترنت بمحتوى لا نريده، وملء يوم عملنا بأدوات لا تعمل، وتضعان هذا كله تحت اللافتة الفضفاضة للذكاء الاصطناعي أو بالأحرى خدعة الذكاء الاصطناعي.
الكتاب هو ثمرة تعاون بين إيملي المتخصصة في اللغويات، وأليكس المتخصصة في علم الاجتماع والمسؤولة السابقة في قسم الأخلاقيات في شركة غوغل، وهو عملها المشترك الذي يهدف إلى كشف خواء الضجيج حول الذكاء الاصطناعي عبر تحليل مؤسس على عملهما في الحقل الأكاديمي وروح الدعابة اللاذعة. بداية، يطرح الكتاب سؤالاً حول ماهية الذكاء الاصطناعي. والحال أنه لا يتجاوز كونه مصطلحاً تسويقياً، يفتقر لأي تعريف تقني دقيق، ويقترح استخدام مصطلح الأتمتة بوصفة الأكثر دقة. فتَحتَ مظلة مصطلح الذكاء الاصطناعي الذي أصبح شائعاً في العقد الأول من هذه الألفية، تأتي مجموعة واسعة من عمليات الأتمتة، المختلفة جذرياً في هيكلها وطريقة عملها، ومن بينها التصنيف واتخاذ القرار والترجمة وتخليق الصور والتخليق اللغوي. ووضع كل تلك الأنظمة في سلة واحدة يجعلها تبدو خارقة وأقرب إلى السحرية.
يفكك الكتاب اللغة الترويجية الموحية التي تستخدمها شركات التكنولوجيا الكبرى لإثارة الضجيج حول نماذج الأتمتة، ودفع المستثمرين لضخ رؤوس الأموال لشراء أسهم في شركات بعينها. لا تحمل النماذج اللغوية الكبرى وعياً ذاتياً أو مشاعر، بل تعتمد على ببغاوية مؤسسة على الاحتمالات، أي أن تلك النماذج لا تفهم اللغة فعلياً، وبالنسبة لها تتوافق الكلمات مع كلمات أخرى وأنماط استخدام تمت تغذيتها في بيانات التدريب الخاصة بها.
لا تخلو تلك الضجة من أذى، التهويل من قدرة الذكاء الاصطناعي يأتي مصحوباً بالتقليل من الوعي الإنساني أو تصوير البشر وكأنهم آلات من لحم ودم، ولهذا تبعات أخلاقية محفوفة بالمخاطر. تثبت فصول الكتاب، الواحد بعد الآخر، أن أنظمة الذكاء الاصطناعي هي أدوات لانتزاع القيمة من الإنتاج الإبداعي للآخرين وبياناتهم، من أجل استبدال الخدمات البشرية ذات الجودة العالية برداءة مصطنعة.
بالنسبة للعمالة، نرى أن الأتمتة تعني البطالة للكثيرين وساعات عمل أطول للآخرين، الأمرين معاً. لن تحل أنظمة الذكاء الاصطناعي محل العمالة البشرية، بل تهدد باستبدال الوظائف عالية الدخل بأخرى منخفضة. يحتاج تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي عدداً كبيراً من عمالة تحصل على رواتب متدنية ووظائف روتينية، ويتم توظيف معظمهم في الدول الأكثر فقراً في إفريقيا وآسيا، وفي حالة اللغة الفنلندية، على سبيل المثال، لم تجد الشركات أحداً مستعداً للقيام بهذه الوظائف سوى السجناء.
وعلاوة على جعل الأوضاع أسوأ بالنسبة للعمالة، يخصص الكتاب فصلاً عن كيف جعل الذكاء الاصطناعي الأوضاع أسوأ بالنسبة للمستهلكين والمجتمع. تقشف الأتمتة يضمن توفيراً في نفقات الخدمات الاجتماعية والرعاية الحكومية على حساب المستفيدين، وفي الوقت نفسه يضفي ستاراً خادعاً من الموضوعية على أنظمة للقسوة والتمييز العرقي والطبقي والجندري، وكذلك يمنح المسؤولين والمجتمع فرصة التهرب من المسؤولية الجماعية تجاه الفئات الأكثر هشاشة.
توسع أنظمة الرعاية الصحية والتعليم الآلية، الفجوة بين الذين يملكون، أي من يحصلون على خدمات بشرية ذات جودة عالية، وبين من لا يملكون، وهم من تتوجه إليهم أنظمة التعليم الرقمي والرعاية الصحية المؤتمتة منخفضة الكلفة والكفاءة. ببساطة لا يمكن لآلات توليد النصوص أن تصلح الفجوات في النسيج الاجتماعي. ينطبق الأمر نفسه على مجالات الفن والصحافة والعلم، حيث لا تقوم أنظمة الذكاء الاصطناعي بعمليات إبداعية، بل تعتمد على بيانات مسروقة من أصحابها وتوظفها في عمليات نسخ وقص ولصق، هذا غير إغراق السوق الأكاديمية بأوراق غير دقيقة مولدة بواسطة نماذج اللغوية الكبيرة.
لا يخلص الكتاب إلى رفض مطلق لأنظمة الأتمتة، بل يهدف إلى وضعها في حجمها الطبيعي، ويقترح استراتيجيات للمقاومة اليومية وللمطالبة بالشفافية والمساءلة وحماية العمالة وحقوق الملكية وبناء تقنية مناسبة اجتماعياً.
