أحمد قعبور... طير على سفر

محمد حجيريالجمعة 2026/03/27
Image-1774600638
في اللقاء ما قبل الأخير كان حديث وسردية عن علاقة قعبور بأصوات المدينة
حجم الخط
مشاركة عبر

في المرة الأولى التي أذكر حديثاً عابراً جرى بيني وبين الفنان الراحل أحمد قعبور على قارعة الطريق في شارع جبل العرب – وطى المصطيبة، كان يعاتبني على مقالة كتبتها عن فنانة جسدية واعتبرتها بطريقة ساذجة "ثروة قومية للبنان"، تماثلاً مع قول الجنرال شارل ديغول عن بريجيت باردو بأنها "ثروة قومية فرنسية"، وقد قلدها وسام "جوقة الشرف"، لأن ما قدمته الى الخزينة الفرنسية يفوق ما قدمته مصانع مارسيل داسو، بطائرات "الميراج"، ويوم دعاها ديغول إلى حفلة في "الإليزيه"، لم تذهب مرتدية فستانًا للسهرة، بل سروالاً أسود وسترة مستوحاة من أزياء الفرسان وجزمة عالية العنق. وقد مد يده لمصافحتها وهو يقول بصوته الجهوري: "أهذه أنت بريجيت باردو؟ لقد ظننتك من بعيد أحد العساكر".

 

في بدايتي المهنية، كنت مسحوراً بأخبار الفنانات والفنانين وقصصهم، وأجدها ملاذاً لي للتسلية والبحث والتأمل في واقع الحياة، والهروب من سنوات من الشعارات الحزبية والتغيير الديموقراطي والتحشيد والديماغوجيات.


وكان أحمد قعبور يعاتبني من باب المعرفة والصداقة ولأن معظم الإعلام المرئي والمسموع وحتى المكتوب، يركّز على كليبات مغنيات الجسد وحركاتهن وشراشفهن وعطورهن ومفاتنهن، ويهمش بطريقة أو بأخرى الموسيقى الجدية والأغاني الملتزمة والبديلة والإنسانية، التي لا تدخل في دائرة الاستهلاك والغرائز. والأنكى أن بعض الإعلام ربط ما يُسمى "الأغاني الملتزمة" بإطار زمني محدّد وبأجواء الحروب وتمجيد الدم والشهداء والنضال ومراحل الأزمات القاتمة. 

 

وفي هذا السياق روى أحمد قعبور أنه في إحدى جولات الحروب في المنطقة، التي شهدت الكثير من القتل والدم وقد ملأت الشاشات، اتصل به الرئيس رفيق الحريري قائلاً: "شايف شو عم بيصير على الشاشات؟ وطلب منه عملاً يساهم في إخراج الناس من دائرة الحروب ويركز بما معناه على السلام البشري. ومن قبل، قيل إن الحريري وراء أغنية "البلد ماشي والشغل ماشي" على شاشة المستقبل، في محاولة إظهار صورة إيجابية للبنان في الداخل وفي الخارج، وقد أزعجت الأغنية بعض الفئات من اليساريين والممانعين الذين يمجدون الأغاني الهادرة والغضب الساطع والمتاريس. 

 

وبسبب أغنية "البلد الماشي" تعرّض قعبور لانتقادات شديدة وقاسية، باعتباره خرج من خندق اليسار وصار قريباً من "السلطان" وواجهة للنيوليبرالية... وإلى ما هنالك من ترهات لفظية، والكثير ممن انتقدوه وخوّنوه، لم يطل الوقت حتى بدأوا العمل في وسائل إعلام الحريري.


في اللقاء ما قبل الأخير، كان حديث وسردية عن علاقة قعبور بأصوات المدينة، من خبب الخيل إلى كمنجة والده محمود الرشيدي والباعة الجائلين في الطريق الجديدة، وهدير البوسطة في صوفر، وهتافات المتظاهرين في الحمرا في بداية السبعينيات. بدا لي من خلال حديثه كأني أرى مدينة لامرئية، مدينة متخلية ونوستالجية، أسمع أصواتاً في مدينة قديمة وأنا أفكر في حاضر مدينة يسيطر عليها الضجيج والأسفلت. حتى في تذكره أصوات بدايات الحرب، كأنه يقول إن للأشياء تأثيرها، وللذاكرة أيقوناتها التي لا تنسى، فصوت القذيفة التي قتلت الفنان إبراهيم مرزوق لم يذهب من رأسه، رغم أنه عاش الحرب كلها وبتفاصيلها.


وفي اللقاء الأخير في مقهى يونس، كنت أسعى لسرد قصص أغانيه سواء عن العنوسة والحب والبحر، أخبرني يومها بأنه أجرى عملية جراحية وتكللت بالنجاح، وما عدت التقيته. ثمة مشاهد حصلت معه لاحقاً، بدت مثل مرآة لهذا البلد العقيم. ففي تشرين الثاني 2023، كتب بدموعه، ألم مشهد غارة على أحد المباني في الطيونة -بيروت، كتب تعليقاً عن الواقعة واختصر واقع لبنان في زمن الحرب، وناسه وقراه وأشجاره وبيوته وقططه... وبعد نحو سنة، أرسل لي عبر الواتسآب أغنية بصوته بعنوان "ينزل المطر" من كلمات أمل دنقل تقول:

 وينزل المطر
ويغسل الشجر
ويثقل الغصون الخضراء بالثمر
... ...
ينكشف النسيان
عن قصص الحنان
عن ذكريات حب
ضيعه الزمان
لم تبق منه إلا النقوش في الأغصان
قلب ينام فيه سهم
وكلمتان
تغيب في عناق
جنبي.. فراشتان
وأنت يا حبيب
طير على سفر


بدت الأغنية صرخة في وجه الحرب والخراب، ففي زمن الضغائن ووحشية قصف الطائرات وطنين الإسعافات والمسيّرات، والشهداء والنزوح القاسي والتكديس البشري في بيروت والمناطق، ومحو الذاكرة.. اختار أحمد قعبور أن يبحث عن شيء يخفف أثقال الواقع المستجّد، وقرّر أن يطلق أغنيته بصوته الدافىء الحنون. لكن الحرب لم تنته.


وحين أرسلت رسائل لأحمد قعبور على المسنجر أكثر من مرة ولم يجب على غير عادة، لاحقاً أخبرني الصديق سليمان بختي أن مرض أحمد تجدّد ودخل في مرحلة العلاج الكيميائي، وكان البلد لا يزال في معمعة الحرب والإستهدافات والاغتيالات. والآن رحل الفنان الصديق في خضم اشتعال الإقليم. كأن قدرنا أن نبقى في جحيم الأرض.
 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث