ذات مرة قال لي الفنان احمد قعبور 1955— 2026 "ان الروح لا تحتاج إلى أكثر من عصفور ليحملها إلى المثوى الأخير، فلماذا كل هذا الألم؟".
في ذمتي لأحمد قعبور قصة يجب أن أرويها الآن. قبل سنتين، وفي عز حرب غزة، اتصل بي أحمد وبنبرته الهادئة قال: "لدي صديق يعيش في غزة تحت القصف وسقفه خيمة وأريد أن أفعل له شيئاً. أريد أن أدعمه بنشر كتاب له وهو بمثابة علامة وجود أو دليل حياة. هذا الشاب اسمه منيب ابو سعادة وهذه مخطوطة كتابه وهي رواية بعنوان "أرض لا تموت". قرأت المخطوطة وقلت لأحمد "هل تسمح لي بأن أكون شريكاً لك في هذه المغامرة؟". ابتسم راضياً وبحياء وقال: "يبقى الأمر سراً بيننا". المهم، نشر الكتاب عن دار نلسن للنشر التي أتولى إدارتها. كان أحمد خارجاً لتوه من المستشفى إثر جلسة العلاج، حين سلّمته الكتاب وشعرت أن معنوياته ارتفعت أكثر مما ظننت. وأن هذه الفرحة الغيرية نادراً ما نراها في بلادنا. وأن في هذا الكتاب شيء من روح أحمد وحناياه.
مرة ثانية التقيت مع أحمد قعبور في عمل آخر وهو كتاب "عمر الزعني، القصائد الممنوعة"، وصدر أيضا عن دار نلسن، بالتعاون مع "نادي لكل الناس". كنا نراجع معاً القصائد التي كتبها الزعني بخط يده والتي منعها الأمن العام في حينه. وكنا نضحك للهجة البيروتية المفرطة التي كتب فيها الزعني أغانيه. ونتوقف على التشديد على النبرة ونستعجب كيف يذهب الزعني إلى التعبير عن عمق الحالة البيروتية من خلال اللهجة أو التشديد على الحرف أو في التخفي خلف كلمة موزيكا حتى لا يقول ما هو أفدح. وكان أحمد يعلق على المعنى فيقول عمر الزعني هنا يساري قبل كل اليساريين، وأخلاقي قبل كل الإصلاحيين. وكم من مرة توقفنا أمام النص لنقول: "تعذّرت قراءة النص بسبب رداءة خط المؤلف".
كان أحمد قعبور صادقاً، وصدقه يأتي من غليان الضوء ومن توهج المكان في عينيه وفي صوته وفي روحه. استطاع ان يصل إلى روح المدينة ويترجمها في الموسيقى. أدرك أن إيقاع بيروت يرتبط بحياتها، وحياتها يصنعها الناس. فلمن يغني أحمد "بدي غني للناس... أو نحن الناس، نحن شجر الشوارع". هذا التاريخ هو الناس ما قالوا وما فعلوا. أحب أحمد مدينته حباً جماً ولبث يحن إليها حنيناً صادقاً. هذه المحبة غمرت قلبه وأطلقت ألحانه من القلب إلى القلب. سيظل أحمد يذكرنا بأننا نستطيع أن نعبّر عن بيروت كلما أحببناها أكثر وفهمناها أعمق. لذلك كنت أعجب كل مرة بعبارة كان يرددها بحب عن بيروت: "إن كبرت بتساع الدني / وإن صغرت بوسة على خدك".
قبل أسبوعين التقيت بشقيقه الصديق ناصر وسألته عن أحواله فقال: "موجوع كتير حتى أظافر يديه تؤلمه، لكنه يشتغل ويلحن بغزارة".
أحمد قعبور لم يغادر المدينة، فقد سكنته طويلاً. والآن حملها بصوته وأنغام قلبه وأنامل روحه إلى فضاء مندى يشبه الحنين ويشبه أيضاً ملامح الطيبة والألفة والأصالة التي سكنت وجه أحمد قعبور وستعيش طويلاً في أعماله وذاكرة الناس والتاريخ .




