بالرغم من أن التطرّق إلى عمل نبيل نحّاس قد يبدو سابقاً لأوانه، لكن الحدث الذي سيقام في مدينة البندقية، من خلال مشاركة الفنان في بينالي المدينة العائمة على الماء، يستحق أن يتم التطرّق إليه باكراً. يعود هذا الأمر إلى سببين: الأول هو أن العمل يكتسب أهمية خاصة، أكان من حيث الحجم أو من حيث المحتوى، أما السبب الثاني فيعود إلى أننا نشهد، في الوقت الحالي، مرحلة من الفتور في المجال الفني، بفعل الظروف الضاغطة المعروفة. لذا فإن مشاركة نحّاس هذه قد يُعتبر بمثابة تعويض نسبي ورمزي عن النقص الذي تشهده الساحة الفنية.
تم اختيار نبيل نحّاس لتمثيل لبنان في البينالي المذكور من قبل المفوّضة العامة، والمنسّقة لجناح لبنان في بينالي البندقية، الدكتورة ندى غندور، وقد تم ذلك بالتعاون مع وزير الثقافة غسان سلامة. ومن المقرّر أن يُقام الجناح اللبناني في البندقية، ضمن الدورة الحادية والستين للبينالي، خلال الفترة الممتدّة من 9 أيار/ مايو إلى 22 تشرين الثاني/ أكتوبر 2026، حيث تستضيف وزارة الثقافة اللبنانية، وبإشراف "الجمعية اللبنانية للفنون البصرية" المعرض الذي تقوم بتنظيمه. أما السينوغرافيا الخاصة بالجناح، فيتولاها الثنائي كتانة ونيكولا فياض من "East Architecture Studio"، ضمن قالب تصميمي يسعى إلى إبراز أهمية العمل وتبيان مكانته البصرية.
وللمناسبة، ففي وقت سابق كان أول معرض فردي للفنان في فرنسا، واتخذ عنوان "متجذر في السماء"، وقد أقيم في قصر لا كوست في بروفانس، العام 2023. عرض نحّاس، حينذاك، سلسلتين من أعماله الحديثة، بالإضافة إلى منحوتة خارجية كبيرة استحضرت كائناً بحرياً غامضاً، وهو ما يُعتبر سابقة في مسيرته. تبدو تركيبات "الكوكبة" الكونية الضخمة في هذا العمل، المستوحاة من قاع البحر والسماء، نابضة بالحياة، في حركة دائمة، بينما تحوّل تصويرات الأشجار المعذبة والكارثية، التي ترمز إلى موطنه - كالأرز والزيتون والنخيل - المكان إلى معرضٍ للصور النباتية، حيث تكشف كل صورة عن جوهرها، ليغوص المشاهدون في عالم الفنان النفسي المثقل بالهموم.
عمل فني – تجهيزي ضخم
يتألّف العمل الفني التجهيزي الضخم في البينالي، الذي اكتسب عنوان "تعدد بلا حدود"، من 26 لوحة جدارية كبيرة منفّذة على قماش بالأكريليك ومواد مختلفة، وسوف تُرتّب جنباً إلى جنب، لتشكل إفريزاً محيطاً يدعو الزوار للتجول في المكان. يعكس هذا التصميم الأشرطة السردية للوحات والمنحوتات الموجودة في العمارة اليونانية الرومانية، مثل معابد بعلبك والبارثينون. التآلف العام ذو مرونة، وهو أشبه بقصيدة شعرية - بصرية تمتد على طول 45 متراً، وبارتفاع ثلاثة أمتار، في موقع أرسنال، في تركيب بصري يحتفي بالهوية المؤمنة، من خلال الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد. استُلهم هذا العمل الفني من فن المنمنمات الفارسية، حيث تُنسج القصة عبر طبقات متداخلة ومسارات متعرّجة، وهو يقاوم السرد الخطي والتفسير الثابت. وبدلاً من ذلك، يقدّم تجربة يمكن من خلالها قراءة اللوحات عبر مجموعات مختلفة وروابط مُدركة.
"هذا العمل مزيج من الفن والثقافة والروحانية، وهو في الوقت نفسه رمزي وفلسفي. يمكنك أن ترى تأثير الفن الإسلامي، والتجريد الغربي، والموضوعات والرموز المستوحاة من الكتاب المقدس"، كما صرّحت ندى غندور لصحيفة "ذا ناشيونال". وهي تضيف: "يمثل العمل جميع الحضارات المتراكمة التي شهدها لبنان عبر التاريخ، والتي تشكّل جزءًا لا يتجزأ من هويتنا.".. "وعلى عكس النقوش الجدارية التقليدية، لا يروي عمل نبيل نحّس قصة خطية. فكل لوحة فريدة من نوعها، ولكنها في الوقت نفسه مترابطة بطريقة أو بأخرى"، كما تقول غندور. وتحمل اللوحات معاني ومواضيع وتفسيرات مختلفة، مما يتيح للمشاهد قراءات متعددة. ويمثل الجناح قصيدةً تُشيد بجوهر لبنان المتدفق والمتعدد الثقافات، مُحتفياً بالوحدة في خضم التنوع. إنه يُجسد جمال التناقضات - وهو موضوع محوري في رحلة نحاس الفنية الممتدة لعقود بين لبنان والولايات المتحدة، حيث يقيم.
المنحى التجريدي
أمضى نبيل نحاس أكثر من خمسة عقود في إعادة تعريف حدود الفن التجريدي. تميزت أعماله بأشكال هندسية تجريدية متنوعة مستوحاة من تقاليد إسلامية وغربية، بالإضافة إلى أنماط كسورية. تصور بعض اللوحات مناظر طبيعية وعناصر طبيعية، بينما تتبع أخرى هندسة الأشكال النجمية، الطبيعية منها والصناعية. يقول نحاس لصحيفة "ذا ناشيونال" من منزله ومرسمه في قرية عين عار: "ستُرفع اللوحات مترين عن الأرض - أعلى من ارتفاع الباب - بحيث ينظر الناس إليها من الأسفل إلى الأعلى. وهذا يعني أيضاً أن الناس لن يحجبوا ثلث العمل الفني بالوقوف أمامه. إنها طريقة عرض فنية تعود إلى عصر النهضة، كما هو الحال في الكنائس والقصور".
وإذا كان التجريد في الرسم المعاصر يُعذ بالغ الأهمية (علماً أن البعض صار يعتبره من الماضي) لأنه يُتيح لنا تحديد مسارات الاستكشاف، فضلاً عن التساؤل حول فكر الفنان. ومع ذلك، توجد خلافات حول تعريف هذا الفن. فمن جهة، لا يوجد إجماع على الحدود الزمنية، ومن جهة أخرى، لا يوجد إجماع على طبيعة الأعمال التي تُجسّد هذا التيار. قد يُبدع عمل فني خلال العصر المعاصر، ولكنه ينتمي إلى تيار فني آخر. وهذا يُوضّح حالة نحّاس خير توضيح، إذ أنه أُبدع لوحات تندرج ضمن تيارات التجريد الهندسي والفن الملموس، ولكنها مُجسَّدة بوضوح ومُتأصِّلة في عصرنا من خلال مفهوم الزمن وإشكاليات الوجود .
في الفن التجريدي المذكور، تُعدّ الأشكال الهندسية، أو الأشكال الأساسية، ركيزةً نتعلمها منذ الصغر. فهي تُتيح لنا تصور الأحجام والفراغات، وملاحظة الأشكال التي تُحيط بنا يوميًا. لاحقًا، في المرحلة الإعدادية، نتبع منهجًا رياضيًا أكثر في دراسة الهندسة. بعد إتقان الأساسيات، نسعى إلى تعريف هذه الأشكال وإعادة إنتاجها وتحديدها بالكامل، بدءًا من الأشكال الأكثر شيوعًا، كالدائرة التي نراها غالباً في أعمال نحّاس، والتي قد ترمز إلى الاستمرارية، والحلقة، والاستدارة المتأصلة فيها، وربما كان استخدمها للتعبير عن الخفة والرقة، إضافة إلى الشكل حلزوني الذي يتكرر في أعمال الفنان، وصولًا إلى الأشكال السداسية الأقل استعمالاً. هذا مع العلم أن المثلّث لا يغيب عن لوحاته، وهو الذي كان كاندينسكي اعتبره شكلاً هندسياً أساسياً يرمز إلى الحركة والديناميكية والارتقاء الروحي، وغالباً ما يرتبط لديه باللون الأصفر لما يحمله من طاقة نابضة بالحياة، ويوصف بأنه شكل يشبه الجسر يربط العالم المادي (القاعدة) بالعالم غير المادي (النقطة). هذه الأمور كلّها تدفعنا إلى التساؤل عن هذه الأشكال أو منحها منظورًا جديدًا، وقد قدّم فنانو التجريد الهندسي تفسيراتٍ لها، أو ربطوها بموضوعات أخرى كالألوان أو الروحانية.
دور الطبيعة
يقول نحّاس: "إنّ مصدر إلهامي في أعمالي هو الطبيعة في جوهرها، بدءًا من الأحافير وصولًا إلى الزهور في حديقتي، والتأمل في علاقة الإنسان بالطبيعة. في مراهقتي، كنت ألعب مع صديقي في أطلال جبيل أيام السبت. كانت أطلالها مزيجًا بديعًا من حضارات العصر الحجري الحديث، والأمورية، والهكسوسية، والفينيقية، والمصرية، واليونانية، والرومانية، والبيزنطية، والمملوكية، والعثمانية؛ فقد كشف الجرف، بفعل التعرية الشتوية، عن هذه الطبقات المختلفة، وقدّم لنا عددًا لا يُحصى من التمائم والأشياء الصغيرة التي ما زلت أحتفظ بها".
ولطالما شكّلت الهندسة عنصرًا أساسيًا في أعمال نحاس، إلا أن افتتانه بالطبيعة تطوّر تدريجيًا. تُصوّر العديد من لوحاته أشجارًا لبنانية الأصل - كالأرز والزيتون والنخيل - بينما تتضمن لوحات أخرى عشرات القوالب المصبوبة لنجم البحر. ويرتبط كلا العنصرين بتجارب شخصية وذكريات محورية في حياة نحاس، والتي تتكرر الآن في لوحاته.
"في ثمانينيات القرن الماضي، يقول الفنان، وفي صباح أحد الأيام بينما كنت أسير على الشاطئ في لونغ آيلاند، شاهدت الأمواج وهي تغسل الرمال وتتراجع، تاركة أشكالاً وحفراً صغيرة"، كما يوضح. "رأيت على الفور صلة بين هذه الأمواج والأبراج في السماء، وقد كان هذا أول نهج فطري لي لفهم العلاقة بين الأرضي والسماوي، بين العالم الكبير والعالم الصغير". وعلى الرغم من أن الفنان لم يُعبّر عن ذلك بشكل مباشر، إلا أن كلا المشهدين يرتبطان بالكوارث الطبيعية أو من صنع الإنسان التي تُعيد تشكيل العالم الطبيعي، وهو موضوع يتردد صداه في عصرنا المُثقل بالأزمات، لا سيما مع تعرض لبنان للهجوم مرة تلو الأخرى.
كما تُشير اللوحات التي تتضمن أشكالًا حلزونية إلى الأنماط الدورية الموجودة في المعتقد الصوفي، بينما يعكس تكاثر بعض الأشكال روحانيةً تُشكّل فيها العناصر الصغيرة جزءًا من كلٍّ أكبر. قد يبدو الجناح في البداية مزيجًا مُختلطًا من صور غير مترابطة، ولكن كلما طالت مدة بقاء المشاهدين في المكان، كلما ظهرت روابط وتناقضات مؤثرة، تعكس جوانب لبنان المتعددة، وتفاصيله المُتشعبة.




