السفارة الإيرانية..من تمويل محتشمي إلى "بيجر" مجتبى أماني

محمد حجيريالخميس 2026/03/26
علي أكبر محتشمي بور.jpg
علي أكبر محتشمي الاب الروحي لحزب الله
حجم الخط
مشاركة عبر

غداة عملية البيجر عام 2024 التي نفذها الموساد الإسرائيلي ضد "حزب الله"، وقد أصيب من جرائها السفير الإيراني السابق في لبنان مجتبى أماني، استغرب كثرٌ كيف أنّ سفير دولة يستعمل جهاز البيجر المخصص للاستخدام العسكري، وطرح السؤال عن دوره في هذا المجال. وكان الاستنتاج والخلاصة أنه جزء من النسيج العسكري المرتبط بحزب الله. في المقابل كان السؤال الآخر في السنوات الماضية عن مبنى السفارة الأميركية الضخم جداً في عوكر، وهل تحتاج أميركا إلى سفارة بهذا الحجم في بلد مثل لبنان؟ بعضهم قال إنها سفارة الشرق الأوسط كله، واعتبر خصوم أميركا أن هذا المبنى ما هو إلا قاعدة عسكرية كبيرة محصنة كلفتها مليار دولار، وهي مثل الكثير من القواعد الأميركية في العالم.

EBX_qQ2XUAEgATp.jpg

بين الدبلوماسية الأميركية والدبلوماسية الايرانية مد وجذر واشتباك وصدام في لبنان، منذ سيطرة روح الله الخميني على الحكم في إيران، بعد طرد الشاه. إذا تخطينا قضية اقتحام السفارة الأميركية في طهران من قبل أنصار الخميني واحتجازهم الموظفين كرهائن، وقضية اختفاء أربعة دبلوماسيين إيرانيين، اتهم أمن القوات اللبنانية بخطفهم. نجد أن الصراع الفعلي بدأ عندما عُين حجة الإسلام علي أكبر محتشمي من قبل الخميني سفيراً لإيران في سوريا عام 1982 خلال عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد. 

 

لم يكن هذا الرجل سفيراً عادياً، فقبل أن يكون سفيراً كان على صلة بالمنظمات والمخيمات الفلسطينية في لبنان، ويعرف الكواليس والمفاتيح، ولم تكن تحركاته بمنأى عن رغبة الأسد وطرقه في شن حروبه بالوكالة. ففي حزيران 1982 بعد مواجهة عسكرية جوية بين إسرائيل وسوريا إبان الاجتياح الإسرائيلي، أرسلت إيران إلى حليفتها سوريا مئات المتطوعين يعملون تحت قيادة "الحرس الثوري" لقتال إسرائيل. بعد أسابيع من الانتظار في شوارع دمشق، مهدت لهم سوريا الطريق إلى البقاع. ومدهم محتشمي بالسلاح والخطط العسكرية أقاموا معسكرات تجنيد متطوعين لبنانيين وغير لبنانيين وتدريبهم وتسليحهم لمقاتلة إسرائيل وانشاء مجتمع حرب، تدريجاً راحوا يتدفقون على الضاحية الجنوبية بيروت والجنوب. كان شعارهم "الثورة الإسلامية في لبنان" وتحرير القدس ومواجهة القوى متعددة الجنسيات وإخراجها من لبنان توطئة لدور إيراني عقائدي وديني وأمني لاقى دمشق في الاتفاق على إسقاط اتفاق 17 أيار 1983 الذي عقده الرئيس امين الجميل مع إسرائيل. بعد ذلك كثر خطف الرهائن في بيروت، كانت العمليات تحصل في لبنان والافراج بعد المفاوضات يتم في دمشق.

171362635.jpg
السفير الإيراني مجتبى اماني اصيب في عملية البيجر

وبعد تفجير السفارة الأميركية في عين المريسة يوم 17 نيسان 1983، استهدف تفجير ضخم في 23 تشرين الأول ثكنتي جنود أميركيين في المطار وفرنسيين على طريق الشام أوقع ما يزيد على 300 قتيل، ودخل "فيلق الحرس الثوري الإسلامي الإيراني" و"حزب الله" في حالة تأهب، خوفاً من رد القوات الأميركية بضرب "ثكنة الشيخ عبدالله" المشتركة بينهما في سهل البقاع في لبنان. 

 

لكن الولايات المتحدة لم ترد. وفي الواقع، كان الرئيس رونالد ريغان قد سحب بالفعل القوات الأميركية من لبنان قبل أشهر. وبالإشارة إلى تفجيرات عامي 1983 و1984، ذكرت "وكالة المخابرات المركزية" الأميركية في عام 1987 أن "العديد من القادة الإيرانيين يستخدمون هذه السابقة كدليل على أن الإرهاب يمكن أن يكسر عزيمة الولايات المتحدة"، واصفةً كيف أصبحت طهران تنظر إلى "التخريب والإرهاب كخيار مهم في مواجهتها مع الولايات المتحدة في الخليج العربي".

بعد حركة 6 شباط 1984 وسقوط سلطة أمين الجميل في بيروت وتأليف حكومة رشيد كرامي وسطوة حركة أمل والتقدمي الاشتراكي برعاية سورية أسدية، استؤنفت العلاقات بين لبنان ايران التي كان اعترض نظامها على اتفاق 17 أيار. وبقي محتشمي في دمشق يشرف على توزيع ملايين الدولارات التي كانت تتدفق عليه لتمويل عمليات الحرس الثوري الذي كان هو أحد مؤسسيه في كل من سوريا ولبنان، عدا عن دوره المحوري في تأسيس حزب الله اللبناني ودعم المنظمات الفلسطينية الراديكالية المسلحة. 

 

ونلحظ مدى أهمية محتشمي بالنسبة لحزب الله من بيان التعزية برحيله حيث قال "بذل سماحته جهوداً كبيرة عام 1982 بعد الاجتياح الإسرائيلي لمناطق ‏واسعة من لبنان.. وقَدم لها كل أشكال الدعم الممكن". عام 1986 خلف محتشمي في دمشق، الشيخ محمد حسن أختري أمسك الملف اللبناني في "حرب المخيمات" بين حركة "أمل" والفصائل الفلسطينية، في بداية عمله سفيراً لإيران في دمشق عام 1986، وبقي في المنصب حتى عام 1998.. ومن ثم عاد عام 2005 حتى عام 2008، وكان يعتبر الديبلوماسي الأكثر نفوذاً في سوريا. في زمانه استكمل مع بدأه محتشمي "الأب الروحي" لحزب الله، وقال أختري، في حوار صحفي إن حزب الله وحركة المقاومة الإسلامية (حماس) والجهاد الإسلامي هم أبناء شرعيون للثورة الإيرانية. 


بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان في 26 نيسان 2005 وتراجع دور دمشق، أو توريثها الدور الأمني لحزب الله، أضحت إيران في واجهة سجال داخلي حول صراع إقليمي، لم تكن إيران بحاجة لإبراز دور سفارتها في بيروت، إذ كان حزب الله بجيوشه ومقراته، كله في خدمتها، أو يقوم بالدور الذي تريده بشكل متعاظم، وهو شبه مسيطر على البلد ويفرض رؤساء جمهورية وحكومات ووزراء ونواب وقادة أجهزة أمنية، وعقد تحالفات مع التيار العوني بعد اتفاق مار مخايل، ومدّ بالمساعدات المالية والإعلامية للكثير من حلفائه، وصارت حارة حريك ركناً ومحوراً في أي سياسة إقليمية ومحلية، وتعاظم هذا الدور بعد اغتيال الجنرال الإيراني قاسم سليماني في العراق، إذ أصبح أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله قائداً للمحور. وفي حين كانت الولايات المتحدة تستضيف حلفاءها في سفارة عوكر وتعطيهم الوعود الخلبية، كان حزب الله يتهم كل من يعارضه بأنه عميل للسفارات، وأي شيعي يغرد خارج سرب الثنائي يتهم بأنه من "شيعة السفارة". 

 

كان خطاب حزب الله يسابق الخطاب الرسمي الايراني في الولاء لايران، وأصبح في مرحلة تخطت خطط محتشمي واختري، والذاكرة المؤلمة البارزة التي حصلت أمام السفارة الإيرانية كانت مقتل المعارض الشيعي هشام السلمان في 9 حزيران 2013 وهو كان يشارك في اعتصام سلمي في بيروت رفضاً لقرار مشاركة حزب الله في القتال الى جانب نظام بشار الأسد ضد شعبه، وبقيت قضيته خارج المحاكمة. وبقي دور السفارة الإيرانية ثانوياً في الظاهر مقارنة بتعاظم دور حزب الله الذي كان امتد عسكرياً إلى سوريا واليمن، وفي تشرين الثاني 2013 تعرض محيط السفارة لهجوم انتحاري من متطرفين إسلاميين كان امتداداً للحرب السورية. 

 

واليوم يتخذ مسار السفارة منحى آخر في دائرة الصراع التبدل الاقليمي والحرب على الإيراني والحرب في الجنوب وما يقال عن مشاركة الحرس الثوري فيها، اذ طلب وزير الخارجية يوسف رجي المحسوب على حزب "القوات اللبنانية" سحب الاعتماد عن السفير رضا الشيباني بسبب تدخلاته، وبدا الأمر بالنسبة للثنائي الشيعي صادماً، كأن المس بالسفير الإيراني مس بهم وبشعورهم ومن يمثلهم وراعيهم وحليفهم.

محمد رضا شيباني.jpg
السفير رضا الشيباني

للتذكير فأن معمعة القناصل كانت نتاج الإزمات والحروب والتصدعات. وبموجز سريع لمرحلة "حكم القناصل" كان جبل لبنان تحت الحكم العثماني (1516 - 1918)، نلحظ انه عندما واندلعت عام 1845 انتفاضة شعبية ضد نظام القائمقاميتين الذي كان سارياً في تلك الحقبة، والذي يقوم على تعيين قائم مقام يمثل الموارنة وآخر يمثل الدروز. وتبعتها فتنة ومجازر 1860 بين الدروز والموارنة، ما اضطر السلطنة حينها إلى وضع نظام جديد للحكم، فتح الباب أمام تدخل القناصل الأوروبيين الذين أصبحوا حاضرين بقوة في جبل لبنان، ولا سيما قناصل فرنسا وإنكلترا وروسيا، لارتباط الطوائف الكبرى بهم. فالموارنة يرجعون إلى الفرنسيّين، ويرجع الدروز، إلى الإنكليز، وأمّا الروم الأورثوذكس فإلى الروس.

 

 وما درج في مرحلة إبان تصدع السلطنة العثمانية وحرب 1860 صار جزءا من تكوين البلد، لا يمل اللبنانيون من الكلام على ما يسمونه "زمن القناصل" عندما يشيرون الى ما كانت عليه حال لبنان وحال السفراء الأجانب فيه في القرن التاسع عشر. يقول الكاتب الراحل جورج قرم "ليس من الصدفة أن يكون أهمّ مصدر معرفي في تاريخ لبنان الحديث تقارير القناصل في بيروت إلى دولهم، وتجميع هذه التقارير يكوّن عشرات من المجلدات. فالقناصل يهتمّون بكلّ كبيرة وصغيرة في لبنان ويقيمون العلاقات الوثيقة مع الأعيان ورجال الدين، ويقدّمون الخدمات والمشورة، وإذا لم يرضوا على عمل ما، يهدّدون المرتكب بأساطيل دولهم وبطش جيوشها. هكذا أصبحت السياسة في لبنان فنّ استشارة القناصل والتقرّب منهم والتزلّف لهم والتعرّف إلى كلّ جوانب شخصياتهم وتقديم الهدايا لهم، وتنظيم الولائم والحفلات على شرفهم، وعدم الإقدام على فعل ما قبل إجراء المشاورات معهم. وهذا ما أسمّيه "ثقافة القناصل" في لبنان".


في زمن الحرب كان للسفراء أدوارهم، السفارات في لبنان أشبه بمقرات استطلاع وتحرك، ولم يكن غريباً أن يتعرض بعض السفراء للاغتيال وتنسف بعض السفارات أيضاً في إطار الصراع الدولي. والآن السفير الإيراني وما يمثله بعض السفراء العرب والأجانب، هم صورة مستعادة لحكم القناصل، ويتجلى الأمر من جولات البعض وموائد البعض الآخر.
 

 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث