محمد خضير...زقزقة العصافير مع دويّ الصافرات

المدن - ثقافةالأربعاء 2026/03/25
Image-1774435714
الشاهنامة
حجم الخط
مشاركة عبر

والفجرِ، وليالٍ عشر، والشَّفع والوَتر؛ لا أقسِمُ بغيرهنّ. في عشر ليالٍ، متواليات، مبلّلات بمطر شوّال، أقسِمُ على اللّه أن تنجلي ظلمتُهنّ الثقيلة بزقزقة العصافير، وهمود طبول الحرب. أقسِمُ، صاحياً، أن تتبدّد الغيوم رويداً، وتتفتّق السماء عن ضباب خفيف، كي يرتفع صوت الزقزقة، نقرات خافتة وراء ستارة النافذة. أدَويُّ صافراتِ الانذار أقوى، أم زقزقة العصافير، في مسامع الإله، الذي يعلّق "الشَّوّاليّون" إيمانَهم على حضوره، في ختام فصل الجحيم؟


 رافقَنا الصوتان، وقد نما صِماخُ الأطفال على وقعهما المترادف في سيرة الحرب، واشتباك أغاني "طيور الجنّة"، في التلفاز الكونيّ، بزئير الملاحم الهوميريّة، سنوات طويلة. تنجلي الليالي الماطرات، فاسترجِعُ تحت غطائي الخفيف، زقزقةَ ليالٍ ماضيات من حروب الخليج، انفتقنَ عن حاملات الطائرات، وعويل الانذارات المديدة، في ذيل طائرات شبحيّة، قادمات من سطوحها العائمة. أَصفيرُ صوتِ البلبل في قصيدة مدرسيّة، أعلقُ في الذاكرة، أم عشرة آلاف بيتٍ تترادف كالهدير في "شاهنامة" الفردوسيّ؟


تزقزق العصافير، توالياً مع دويّ الصافرات، ذيلاً معقوداً بذيل، مثل حكاية لفظتها أساطيرُ الحرب، وألعابُ الأمم، في كتابٍ بآلاف الصفحات. أقسِمُ على اللّه أن يفتح صفحةَ الحديث بلسان "كليلة" تخاطب "دمنة"، في نسخة من كتاب الحيوان الخالد، وراء أجمةٍ لفّاء بالشجر، ويزيح عن ناظري أحاديثَ المحلّلين المتحذلقين على شاشةٍ فضائيّة، ينبع هذرُها من زاوية في شبكةٍ، لا تحديد لموقعها، بين شبكات البشر المفترَضين بمختلف الأسماء. أَلِسانٌ مترجَم من سنسكريتية "بيدبا" أفصحُ، أم مجموعة الألسن الشبكيّة المترجَمة بلغة المترجمين الفوريّين الوعرة؟ 


أقسِمُ على الإله الفصيح، أن يملأ هاتفي الذكيّ بما تبقّى من واجهات الأيام السالفة: زقزقات العصافير وقت الفجر، رباعيات فيفالدي، نشيد الانشاد، تضرّعات العذراء، حوارات أفلاطون، هسهسة لغة رولان بارت، صمت البحر، في مقابل أصوات العقير والصفير والصرير المعدنية. أَهاتفٌ من السماء أذكى، أم هواتف تترصّد عثرات بحثك في الآفاق عن معنى للّغات والأشكال والصور، فتضلّك عن السبيل؟
 

هذه أسطورتي- زقزقة عصافير الفجر في شوّال- وقد نافستْها صافراتُ الإنذار، وأحاطت بنقراتها الخافتة إحاطةَ الصواريخ بمضيق هرمز _ وأكاد استعير مكاناً آخر من جحيم "دانتي" لأواري به تورياتي وتوسّلاتي. أكاد أرفع صحيفةَ أسئلتي، بما عُرِف عن ولع المواطنين المتوارين في اجمات الحيوان، وقواقع الأنهار، من إلحاح اليائسين. وآخر دعواهم ومَنجاهم، قولُ الرسول الكريم: "رُبَّ أشعثَ أغبرَ، لو أقسمَ على اللّه، لأبرَّه".

 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث