كلما تصاعد الحضور الإيراني في المنطقة نبحث عن الدكتور مصطفى اللباد ليفسر لنا طبيعة ما يجري، باعتباره أحد أبرز الباحثين المتخصصين في هذا الملف وأدقهم قراءة لتفاصيله. وحتى بعد رحيله المبكر، ما تزال إسهاماته الفكرية ودراساته الرصينة تمدنا بمفاتيح مهمة لفهم كثير من التحولات الجارية، وتفسر تعقيدات الدور الإيراني في الإقليم وسياقاته التاريخية والسياسية. وللأسف صدر آخر كتبه، "شجرة الفستق: إيران والعرب في قرن 1914–2013"، مطلع هذا العام، قبل أن يتاح له أن يراه معروضاً في المكتبات، وقبل أن تتسارع الأحداث نحو الحرب الدائرة حالياً، ورغم ذلك يبقى الكتاب، كما يقول ناشره: "إرثاً فكرياً لفهم بلد هو لاعب أساسي في تشكيل مستقبل الشرق الأوسط، أتقن فن المناورة والتخطيط الطويل وتفادي العواصف للبقاء عبر العصور".
يقول اللباد بوضوح إن إيران ليست ملاكاً، ولا هي شيطان، بل دولة ذات طموح لا ينفصل عن كينونتها وهويتها، براغماتية، لا يرتقي فوق مصلحتها اعتبار. بالتالي ينطلق كتابه من فرضية أساسية مفادها أن السياسة الإيرانية في الشرق الأوسط لا يمكن فهمها عبر الأيديولوجيا وحدها، بل من خلال منظور جيوسياسي أعمق يحدد إدراك إيران لذاتها ولدورها في الإقليم. فإيران، وفق رؤية اللباد، دولة ذات تاريخ طويل، وجغرافيا معقدة، وموقع استراتيجي جعلها تنظر إلى محيطها العربي لا بوصفه الجار الأقرب فقط، بل المجال الأكثر قابلية لتحقيق طموحها التاريخي في القيادة الإقليمية. ولا يرى اللباد هذا الطموح مجرد ظاهرة مرتبطة بالنظام السياسي الحالي في طهران، بل يذهب إلى أنه ثابت استراتيجي يتجاوز تغير الأنظمة الحاكمة، سواء في العهد الملكي أو في عهد الجمهورية الإسلامية.
ولهذا يختار استعارة "شجرة الفستق" عنواناً لكتابه. فهذه الشجرة التي تشتهر بها إيران تنمو وتزدهر في بيئة صعبة ومتطلبة، ويكمن سر حياتها في نظام جذورها العميقة والمتشعبة التي تغوص أمتاراً في التربة الجافة والمالحة حتى تثبت الشجرة بقوة وتزودها بالغذاء في حين تهلك النباتات الأخرى. بهذه الصورة يقدّم اللباد استعارة للسلوك السياسي الإيراني، الذي يعتمد على الترسخ العميق والعمل طويل الأمد في بيئة مضطربة.
قطة رابضة
تحتل الجغرافيا السياسية مكاناً مركزياً في تفسير اللباد للسلوك الإيراني. فهي، كما يوضح، ليست دولة عادية يمكن تحليل سياساتها بمعزل عن موقعها الجغرافي الفريد. فمساحتها الواسعة وطبيعتها الجبلية المعقدة وموقعها بين آسيا الوسطى والخليج والشرق الأوسط جعلت منها دولة ذات عمق استراتيجي كبير، لكنها في الوقت نفسه محاطة بتحديات دائمة. ويصف الجغرافيا الإيرانية، فيقول إن الناظر إلى خريطة إيران السياسية يلاحظ أنها تشبه قطة رابضة بين الماء واليابسة عند الحافة الشمالية الشرقية للشرق الأوسط؛ يقع بحر قزوين عند عنقها، بينما تلامس مياه الخليج العربي بطنها الرخو. وفي هذه الصورة المكثفة يبرز الدور الحاسم للموقع الجغرافي في تشكيل إدراك إيران لدورها الإقليمي.
تحيط الجبال بإيران من معظم الجهات، وهو ما وفر لها عبر التاريخ قدراً من الحماية من الغزو المباشر، لكنه في المقابل دفعها إلى تبني نمط استراتيجي يقوم على نقل التهديدات إلى خارج حدودها. فالدولة التي يصعب غزوها تميل إلى بناء مناطق نفوذ خارج حدودها المباشرة لمنع الأخطار من الوصول إلى قلبها.
كما أن موقع إيران عند ملتقى طرق التجارة والطاقة جعلها لاعباً مهماً في النظام الدولي، خصوصاً مع إشرافها الجغرافي على مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، الذي يمر عبره جزء كبير من نفط العالم. ويمنح هذا الموقع إيران إحساساً دائماً بأنها قوة إقليمية طبيعية ينبغي أن يكون لها دور قيادي في المنطقة. غير أن الجغرافيا الإيرانية لا تفتح أمامها جميع الاتجاهات بالقدر نفسه. فالتوسع شمالاً يصطدم بالنفوذ الروسي في القوقاز وآسيا الوسطى، بينما يشكل الشرق مجالاً محدود الأهمية بسبب ضعف أفغانستان وباكستان اقتصادياً وسياسياً. أما الغرب، حيث العالم العربي، فيبدو المجال الأكثر قابلية لتمدد النفوذ الإيراني. ولهذا يرى اللباد أن الساحة العربية تمثل المجال الحيوي الرئيسي للمشروع الإقليمي الإيراني، حيث تتقاطع الاعتبارات الجغرافية والاقتصادية والديموغرافية لتمنح إيران فرصاً أوسع للحركة.
المرجعية الإقليمية
في هذا السياق يصف المؤلف الطموح الإيراني بأنه طموح إلى "المرجعية الإقليمية"، أي أن تصبح الدولة التي تدور حولها التوازنات السياسية في الشرق الأوسط. فالمسألة لا تتعلق بمجرد تحقيق نفوذ سياسي أو اقتصادي، بل بالسعي إلى موقع مركزي في إدارة النظام الإقليمي. ويربط اللباد هذا الطموح بجذور تاريخية تعود إلى الإرث الإمبراطوري الفارسي، لكنه يرى أنه أعيد إنتاجه في العصر الحديث عبر سياسات الدولة الإيرانية. فالأنظمة المتعاقبة في طهران، رغم اختلاف أيديولوجياتها، تشترك في التصور نفسه، أن تكون إيران القوة المركزية في الشرق الأوسط.
ومن هنا ينتقد اللباد التفسيرات التي تحصر السياسة الإيرانية في بعدها المذهبي. فالعامل المذهبي، رغم حضوره في الخطاب السياسي، لا يشكل في رأيه الدافع الأساسي للسلوك الإيراني، بل يُستخدم غالباً بوصفه أداة سياسية ضمن صراع أوسع تحكمه حسابات القوة والتوازنات الجيوسياسية. ويستعرض الكتاب مسار صعود الدور الإيراني في المنطقة عبر عدد من اللحظات التاريخية المفصلية. ففي بدايات القرن العشرين كانت إيران دولة ضعيفة تعاني تفككاً داخلياً وتدخلاً أجنبياً واسعاً من روسيا وبريطانيا. لكن صعود رضا شاه في عشرينيات القرن الماضي مثّل نقطة تحول مهمة، إذ عمل على بناء دولة مركزية قوية وأعاد فرض السيطرة على الأقاليم المختلفة. وفي عهد محمد رضا شاه اتجهت إيران إلى التحالف مع الولايات المتحدة والغرب في سياق الحرب الباردة، وهو ما أتاح لها تطوير قدراتها العسكرية والاقتصادية، ومنحها موقعاً متقدماً في التوازنات الإقليمية. وفي تلك المرحلة برزت إيران بوصفها أحد أعمدة النظام الإقليمي المرتبط بالولايات المتحدة، كما بدأت تمارس دوراً نشطاً في الخليج العربي.
لحظة مفصلية
ويشير اللباد إلى أن هزيمة الجيوش العربية في حرب 1967 شكلت لحظة مفصلية في إدراك إيران لطبيعة التوازنات الإقليمية. فقد كشفت تلك الحرب عن اختلال كبير في ميزان القوى، وفتحت المجال أمام قوى غير عربية لتعزيز دورها في المنطقة، فبدأت إيران تنظر إلى الساحة العربية باعتبارها الفضاء الأكثر قابلية لتمدد نفوذها. ثم جاءت الثورة الإسلامية عام 1979 لتحدث تحولاً كبيراً في السياسة الإيرانية. فقد انتقلت إيران من موقع الحليف الغربي إلى موقع المواجهة مع النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة. ومع ذلك يلاحظ اللباد أن الثورة لم تغيّر الهدف الاستراتيجي الإيراني بقدر ما غيّرت أدواته؛ فطموح القيادة الإقليمية ظل قائماً، لكنه أُعيدت صياغته في إطار أيديولوجي جديد يقوم على دعم الحركات الحليفة وتوسيع شبكات النفوذ في المنطقة.
وقد شكّل سقوط العراق عام 2003 فرصة استراتيجية غير مسبوقة لإيران. فالعراق كان لعقود أحد أهم موازين القوة في مواجهة طهران، ومع انهيار الدولة العراقية اختفى هذا التوازن، ما أتاح لإيران توسيع حضورها في العراق ولبنان وسوريا، وجعل نفوذها الإقليمي أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.
القضية الفلسطينية
ومن الأفكار اللافتة التي يناقشها الكتاب، الوعي الإيراني المبكر بأهمية الاستفادة من وجود إسرائيل في المنطقة ضمن حسابات التوازن الإقليمي. ففي عهد الشاه كانت العلاقات بين إيران وإسرائيل وثيقة نسبياً، وشملت تعاوناً اقتصادياً وأمنياً واستخبارياً. وقد رأت طهران في هذه العلاقة وسيلة لموازنة القوى العربية الكبرى، وتعزيز صلاتها بالولايات المتحدة، والاستفادة من الخبرات الإسرائيلية في مجالات مختلفة. وعلى الرغم من التحول الأيديولوجي الكبير بعد الثورة الإسلامية، يشير اللباد إلى أن منطق التوازنات الإقليمية ظل حاضراً في التفكير الاستراتيجي الإيراني، حتى وإن تغيّر الخطاب السياسي المعلن تجاه إسرائيل. فالقضية الفلسطينية منحت إيران أداة رمزية قوية لمخاطبة الرأي العام العربي، وفي الوقت نفسه وفرت لها مدخلاً لبناء علاقات مع حركات وقوى إقليمية، بما يعزز موقعها في معادلة النفوذ في الشرق الأوسط.
---------------- ----
مصطفى اللباد
باحث وكاتب مصري (مواليد القاهرة، 1965-2019). حاصل على الدكتوراه في الاقتصاد السياسي للشرق الأوسط من جامعة هومبولدت في برلين عام 1994، وهو أحد أبرز الباحثين العرب في الشأنَيْن الإيراني والتركي. صدر الكتاب عن دار نوفل / هاشيت أنطوان.




