في قلب بيروت، حيث تتداخل أصوات المدينة مع خطوات المارة، تبرز المكتبات العامة كملاذ هادئ لعشاق الكتاب والفكر. هنا، بين الرفوف المزدحمة بالكتب، يجد القرّاء مساحة للتأمل والاكتشاف، بعيداً من صخب الحياة اليومية، حيث تتحوّل كل صفحة رحلة جديدة عبر العوالم الأدبية والمعرفية.
بدأ المشوار في افتتاح المكتبة العامة في الباشورة العام 2000، لتكون نقطة انطلاق لمسيرة ثقافية متواصلة، تلتها مكتبة الجعيتاوي في 2004، وأخيراً مكتبة مونو في 2008، لتشكّل ثلاث فضاءات مترابطة في العاصمة، تحت إدارة جمعية السبيل التي تعمل على إبقاء الروح الثقافية لهذه الفضاءات نابضة بالحياة، ربما في محاولة لتعويض تقصير الدولة في إنشاء ورعاية مساحات عامة من هذا النوع. هنا يمكن لكل زائر أن يجد ما يثير فضوله، من الأدب والتاريخ والفنون إلى العلوم والمعرفة العامة، لتصبح المكتبات مساحة حيّة للقرّاء والطلاب والباحثين على اختلاف اهتماماتهم.
ومع احتفال هذه المكتبات في أواخر العام 2025 بمرور خمسة وعشرين عاماً على تأسيسها، تؤكد الشبكة استمرارها في دورها الثقافي المميز، كمساحة يلتقي فيها الناس حول الكتاب، ويُحتفى فيها بالعوالم الفكرية والخيال الأدبي، محافظةً على صلتها العميقة مع الثقافة في بيروت، وراسخةً قيم المعرفة والاكتشاف في قلب المدينة، لتظل المكتبات العامة علامة بارزة على قدرة القراءة على توحيد الناس وإلهامهم.
الأنشطة والخدمات
تفتح المكتبات العامة في الباشورة، الجعيتاوي، ومونو أبوابها للزوار كل يوم لتكون مساحة حية للمعرفة والثقافة، حيث يمكن لكل قارئ أن يجد ما يثير فضوله ويشعل شغفه بالقراءة. تقدم المكتبات خدمات متنوعة تشمل الإنترنت المجاني، واستخدام أجهزة الكومبيوتر المكتبية والأجهزة اللوحية، إضافة إلى الاشتراك المجاني الذي يتيح استعارة الكتب للمنزل، ما يجعل تجربة المطالعة مرنة وسهلة للجميع.
وتضم المكتبات مجموعة واسعة من الكتب التي تغطي الأدب والفنون والتاريخ والعلوم، مع توفير كتب جديدة باستمرار لتجدد تجربة الزائر في كل زيارة. كما يوجد بازار للكتب يتيح للزوار شراء بعض الكتب بأسعار رمزية، لتصبح القراءة متاحة وممتعة لكل الفئات.
وتتعدد الأنشطة لتناسب جميع الأعمار والاهتمامات: ساعة القصة للأطفال، وورش الحرف اليدوية، ونوادي القراءة والكتابة والشطرنج وغيرها، وعروض موسيقية بالتعاون مع فرق محلية، إضافة إلى ندوات واستضافة مفكرين وقراء، وعروض السينما والشعر والمسرح.
ولا ينسى أصدقاء المكتبة مبادرة Kotubus، المكتبة المتنقلة التي تجلب الكتب والقصص إلى مختلف الأحياء، لتصل الثقافة إلى كل مكان.
ويخلق تصميم المكتبات أجواء هادئة ومريحة للقراءة، حيث يمكن للزوار الجلوس بهدوء والاستمتاع بالكتاب، بينما تتوافر خدمات الطباعة والتصوير المجانية لتسهيل البحث والدراسة. كل هذه العناصر تجعل المكتبات العامة فضاءً نابضاً بالمعرفة والإبداع، يجمع بين الثقافة والمتعة، ويحتفي بالقراءة والفكر في قلب بيروت، لتظل ملاذاً لكل من يعشق الكتاب والاكتشاف.
برنامج التطوع والمبادرات
منذ العام 2023، أصبح المتطوعون جزءاً أساسياً من الحياة اليومية للمكتبات العامة في الباشورة، الجعيتاوي، ومونو، حيث يتولون فتح المكتبة يوم الأحد لتتيح للزوار فرصة الوصول إلى الكتب والخدمات في عطلة نهاية الأسبوع. ويقوم المتطوعون بجميع المهام اليومية داخل المكتبة، ما يضمن تقديم كافة الخدمات للزوار بسلاسة، ويجعلهم جزءاً فعلياً من تجربة الحياة الثقافية في المدينة.
يعود هذا العمل التطوعي بالنفع على المتطوعين أنفسهم، إذ يمنحهم فرصة لتنمية مجموعة واسعة من المهارات والمواهب، مثل التواصل الفعّال، تنظيم الفعاليات، إدارة الوقت، العمل الجماعي، وحل المشكلات، بالإضافة إلى تعزيز الثقة بالنفس والقدرة على الابتكار والمبادرة في بيئة حقيقية وحيّة.
إلى جانب ذلك، تقوم المكتبات ببرامج ومبادرات متنوعة، مثل مبادرة إضاءة الشارع في الباشورة، التي شملت سلسلة تدريبات للمشاركين في مجال تنظيم المشاريع المجتمعية، إضافة إلى تنظيم ورش عمل أخرى حول المساحات العامة، مهارات الحياة، المناظرة، وغيرها، ما أتاح للمشاركين تطوير قدراتهم وممارسة مهارات جديدة في بيئة تعليمية وتفاعلية.
كما تتعاون جمعية السبيل مع جمعيات أخرى، مقدمة المكتبات كمساحات لإقامة الورش التدريبية والفعاليات الثقافية، وتشارك في مهرجان حرش بيروت، وتعمل جنباً إلى جنب مع مكتبات أخرى لتعزيز البرامج المشتركة.
بهذه الطريقة، تصبح المكتبات العامة فضاءً شاملاً للمعرفة والثقافة والعمل المجتمعي، يجمع بين المطالعة، التعلم، وبناء المهارات، وروح التطوع، ليبقى كل من الزوار والمتطوعين جزءاً من مجتمع نابض بالإبداع والمعرفة في قلب بيروت.
ختاماً، تمثل المكتبات العامة في بيروت أكثر من مجرد أماكن لحفظ الكتب؛ فهي فضاءات حية للمعرفة والإبداع، تجمع بين المطالعة، التعلم، والمشاركة المجتمعية. من خلال الأنشطة المتنوعة، المبادرات التطوعية، وورش العمل، تصبح هذه المكتبات منارات ثقافية تشجع على الحوار، توسع الآفاق الفكرية، وتحافظ على روح الثقافة والفن في المدينة. من الجميل رؤية هذا النمو في كل المناطق، ونتمنى أن تتوسع المكتبات أكثر لتصبح متاحة لأعداد أكبر من الناس.
