الكرنتينا: جغرافيا طائفية بالعنف

محمد حجيريالثلاثاء 2026/03/24
Image-1774300355
مجزرة الكرنتينا في 19 كانون الثاني 1976
حجم الخط
مشاركة عبر

"إذا كان 13 نيسان 1975 هو التاريخ الرسمي لانطلاق الحرب الأهلية اللبنانية، فإن 19 كانون الثاني 1976"، بحسب مؤرخة المدن في الشرق الأوسطـ، ديالا لطيف، "يمثّل بداية عملية إنتاج جغرافيا طائفية عبر العنف" (سيتحول انتاج الأمكنة الطائفية كرة ثلج في الحرب، من بيروت إلى الضاحية وطرابلس والجبل والمناطق كافة).

 

كما هو معلوم، "الكرنتينا" هي كلمة معربة تعود أصولها إلى الإيطالية "Quarantena" أي "المِحجر الصحي"، نسبة إلى المِحجر الذي أنشأه فيها إبراهيم باشا خلال الحكم المصري لبلاد الشام (1831-1840) بغاية عزل المصابين بمرض الطاعون أو الكوليرا من ركاب السفن الآتية إلى بيروت. سجّل ذلك الطبيب الفرنسي بنوى بوَيّيه، في كتاب وضعه في القرن التاسع عشر. وكان الروائي الفرنسي الشهير غوستاف فلوبير أحد الذين حُجِرَ عليهم في بيروت في تلك الفترة. 

 

يقول فولبير في رسالة إلى أوليمب بوننفانت، من "كرنتينا" بيروت، في 23 تموز 1850: "نحن نشتبه في الوقت الحاضر بإصابتنا بالكوليرا لأن السفينة التي جلبتنا من الإسكندرية إلى هنا لامست مالطا، وقد سُجّلت في مالطا إصابتان بالكوليرا قبل 15 يوماً. نتيجةً لذلك، عزلنا أنفسنا في شبه جزيرة وبقينا محتجزين هناك. تخلو الشقة التي أكتب منها هذه الرسالة من الكراسي والكنبات والطاولات والمفروشات وبلاط النوافذ. حتى أننا نقضي حاجتنا عبر تلك النوافذ. قد يبدو هذا التفصيل سطحياً، لكنه يعكس حقيقة الوضع هنا. لا شيء مضحكاً أكثر من رؤية حراسنا وهم يتواصلون معنا عبر الإمساك بعصا، ويقفزون من نقطة إلى أخرى للابتعاد عنا حين نقترب منهم، ويتلقون أموالنا في وعاء مليء بالماء. مساء أمس، كاد ساسيتي يجعل أحدهم يتعثر على السلالم ويقع على أسفل ظهره".

Image-1774301023
*الصور بعدسة المصور البريطاني دون ماكولين

استقطب موقع الكرنتينا بين الميناء ونهر بيروت، الصناعات، طوال أواخر العهد العثماني وفترة الانتداب الفرنسي، وأهمها: مسلخ بلدية بيروت وأكبر معمل لطحن القمح في المدينة (مطحنة باكاليان) والعديد من مصانع الإنتاج. بدأت مجتمعات المهاجرين في الاستقرار في الكرنتينا بالقرب من أماكن عملهم، وأولهم قبائل عشائرية استقرت في الحي، جذبهم المسلخ. ومنذ ذلك الحين، أصبح يشار إليهم باسم "عرب المسلخ". كان موقع الكرنتينا إشارة أيقونة للنزوح في تاريخ بيروت، ولنقل إن الجزء الكبير من سكان بيروت هم من النازحين من الحروب، سواء في حرب جبل لبنان أو حرب زحلة أو دمشق أو حلب، أو حرب أسيا الصغرى ولاحقاً الحروب الإسرائيلية الفلسطينية - اللبنانية.

 

في أوائل العشرينات من القرن الماضي، شهد الحيّ إنشاء أحد أوّل مخيمات اللاجئين لاستضافة الأرمن الفارّين من الإبادة الجماعية في تركيا. يقول المؤرخ الراحل سمير قصير في كتابه "تاريخ بيروت": "في زمن الانتداب كان الضغط الديموغرافي بارزاً على بيروت حيث أخذت الضواحي الجديد تلتهم القرى القديمة. وكانت تستقبل عدداً متزايداً من نازحي الأرياف أو من الضواحي المعدمة لينضموا الى أفواج اللاجئين الأرمن والسريان والاشوريين والأكراد. وبادرت سلطات الانتداب إلى إقامة مخيم مؤقت للاجئين الأرمن الوافدين بأعداد كبيرة وخلال فترة قصيرة، في الكرنتينا حول المحجر الصحي القديم. وقد نجح عدد منهم في الخروج من هذا المخيم خلال بضع سنوات وانتشروا في المدينة أو سكنوا في القطاع الأخر المواجهة للنهر، في برج حمود حيث نشأت أرمينيا صغرى تمتاز بكثافة بشرية عالية".

Image-1774301177
*الصور بعدسة المصور البريطاني دون ماكولين

كان مخيم اللاجئين لا يزال آنذاك يضم ثلاثة الاف لاجئ عندما قضى عليه حريق في 1933. وشهدت منطقة الكرنتينا لاحقاً موجة جديدة من اللاجئين الأكراد هذه المرة.

 

 بعد نكبة 1948، انضمّ إليهم الفلسطينيون، وسرعان ما تبعهم الجنوبيون، خصوصاً من القرى الحدودية، والبقاعيون. تقول ديالا لطيف: "كان السواد الأعظم من سكان هذه المنطقة من الفقراء والمعدمين حيث كانت بيوتهم من التنك والخشب، وقد تركوا مدنهم وقراهم والتجأوا لهذه المنطقة لكسب العيش". وجزء من عقارات الكرنتينا كان ملكاً لسكانها من "عرب المسلخ"، وبحسب منى الخشن في "المفكرة القانونية"، فإن مسألة "أكواخ" الكرنتينا التي أُقيمت على "أملاك الغير" واستعادة هذه الممتلكات بهدف تطوير الضاحية الشرقية لبيروت، لم تكن وليدة الحرب. فقد أثارت الرهبانية اللبنانية المارونية هذا الأمر في خريف 1965. وعلت الأصوات المستنكرة لوجود مخيمات اللاجئين والبيوت المسقوفة بالقصدير عقب المؤتمر الوطني الذي عقدته الرابطة المارونية في العام نفسه. 

 

وفي هذا السياق، يذكر المؤرخ فواز طرابلسي في كتابه "تاريخ لبنان الحديث"، أن النائب الأب سمعان الدويهي اعتبر في كلمة ألقاها في البرلمان في معرض بحث وتصديق المشروع الوارد بالمرسوم الرقم 2087 بتعديل قانون إسكان المعوزين وذوي الدخل المحدود، أن بيروت هي التي أوجدت هؤلاء "البؤساء" لتصبح "آفة كل لبناني وكل متبطل وبطال وفقير". وقد نعتها الدويهي، من وجهة نظر السائح والأجنبي الزائر، "بمدينة تنبع في أحشائها الأقذار" عازياً السبب إلى مساكن "البؤساء". واعترض على تدخل الحكومة لتأمين السكن للذين "تركوا القرية طلباً للرزق" في بيروت، و"الغرباء"، والذين "دخلوا البلاد خلسة" و"اغتصبوا الأراضي". وتمنى أن يكون هناك "مخطط سليم" لبيروت تتبناه الحكومات المتعاقبة بدلاً من الاعتماد على الارتجالية في معالجة الأمور، و"مخطط كامل شامل لكل قرية لبنانية" للحد من الهجرة إلى المدينة.


مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، أصبحت مناطق حزام البؤس في شرق بيروت نقطة صراع رئيسة، إذ كانت تحت سيطرة السلاح الفلسطيني، وقيل أن القناصة كانوا يستهدفون مداخل المتن، وتتعدّد الروايات في زمن الفوضى والتشنج والعصبيات والسعار الجماعي. واعتبرت بعض القوى المسيحية المسلحة (الكتائب، الأحرار، حراس الأرز) هذه الأحياء جيوباً معادية، "غرباء" داخل أراضيها. أصبح الحي هدفاً مباشراً لها، في 19 كانون الثاني 1976، في اليوم الذي خططت ونفذت هجوماً منسقاً على الحي، أسفر عن مجزرة واسعة، فضلاً عن واحدة من "أولى عمليات النزوح الجماعي بدوافع طائفية في الحرب الأهلية اللبنانية". مع سيطرة الميليشيات المسيحية على المنطقة، تمّ جمع المدنيين الذين ما زالوا على قيد الحياة وقتلهم أو تهجيرهم قسراً. وصفت وكالة الصحافة الفرنسية المشهد: "اجتياح القوات اليمينية للكرنتينا وقتلها العشرات"(«السفير»-20-1-1976)». من لم يُقتل، أُرغم على النزوح، وقد استقر النازحون على شواطئ المنتجعات السابقة، سان ميشيل وسان سيمون في الجناح والأوزاعي. وقتها، وصف داني شمعون، أحد قادة الميليشيات المسيحية التي شاركت في الحرب اللبنانية وهاجمت الكرنتينا، المجزرة، "بعملية عسكرية موجزة". 

 

وجاء في كتاب "أنا الضحية والجلاد أنا" (دار الجديد) لجوزيف سعادة، وهو أحد منفذي مجزرة السبت الأسود: "ليلة التاسع عشر من كانون الثاني 1976، لم ينَم البي جين.. كانت همساتهم تتردد في أرجاء المنزل: الهجوم على الكرنتينا يوشك أن يبدأ. عند الرابعة فجراً بدأت مدفعيتنا التمهيد للهجوم بصب حممها على الهدف. أفاقت بيروت ذلك الصباح على دوي القصف. وأيقن الجميع أن اليوم يوم الكرنتينا.. هناك من لم تكتب لهم النجاة. نزفوا حتى الموت. فتلونت الأزقة بأحمر دمائهم. كانت مجزرة بكل ما للكلمة من معنى. خلفنا بدأت جرافات تجمع الجثث. جثث إلى ما لا نهاية، ولا إحصاء.. لأول مرة منذ بداية الحرب، نجح المسيحيون في احتلال أرض عدوة... كان مقاتلونا من الفرح والسذاجة أن استقبلوا المصورين الصحافيين بالترحاب، وذهب بعضهم  أبعد من ذلك. بصلبانهم المضرجة بدماء أعدائهم، فتحوا زجاجات الشامبانيا فوق أكوام الجثث. أخذتهم نشوة القوة. عزفوا على الآلات الموسيقية وأرجلهم تطأ رقاب الموتى... ذلك اليوم، لم يبقَ منا من لم يطق لديه شرش الحياء". 

 

بعد التسعينات، لاحظت الصحافية بيسان الشيخ في جولة على الكرنتينا أن متجر "سليب كومفورت" لبيع المفروشات يبدو غريباً في منطقة لم تغادرها رائحة الحرب وصورها. فالمباني القليلة المأهولة متناثرة في القسم الغربي من المنطقة بعيداً من الثكنة، وما زالت آثار الرصاص تغطي جدرانها الخارجية، فيما مساحات واسعة من الأرض البور يكسوها العشب بعد تدمير ما كان عليها. وفي القسم الشرقي، خلف مركز "فوروم دي بيروت" تقع ثكنة الجيش اللبناني التي حلّت أوائل التسعينات مكان مجلس حربي كان شيّد بدوره على أنقاض بيوت المهجرين فور إخراجهم منها في العام 1976.

 

الأمر البارز بعد الحرب أن مهجّري الكرنتينا من عرب المسلخ، لم يعودوا، وكثرت الأفكار والمشاريع حول أرضهم، وبقي كل شيء رهن الواقع الطائفي، وشغل الرأي العام ملهى ليلى بناه برنار خوري في المنطقة، ذلك الملهى الليلي الجنائزي المزروع على شكل تابوت حُمِّل أكثر ممّا يحتمل. وصار المكان هامشاً للمرويات على ضفاف المدينة، وبقي وقع المجزرة ماضياً لا يمضي. 
 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث