إن خروج المجنون من مصح الأمراض العقلية لا يعني على الإطلاق أنه قد شُفي من الجنون، إنما يعني أن هذا المجنون قد صير إلى تدجينه بغية الإقامة في مصح هائل لا حدود له، الإقامة في العالم. إنها النتيجة التي تتخلل كتاب "الجنون والحضارة – التاريخ الثقافي للجنون" لعالم الاجتماع ومؤرخ الجنون الإنكليزي أندرو سكُل، وهي خلاصة تارة تتخلل الكتاب بالسر وتارة يصار إلى بثها بصريح العبارة.
ليس الجنون بالواقعة الغريبة عن العالم على الإطلاق وهي حقيقة يعمل سكُل على تبيانها عبر خوضه في جل تاريخ الجنون في كل الحقب الزمنية وصولاً إلى العصر الحديث حيث تتمظهر هذه الحقيقة بما لم يسبق له مثيل في مجمل التاريخ البشري. إن العالم الذي نعايشه يوماً بيوم يُلزم الإنسان بالخيبة تلو الخيبة. وعبر هذا الإلزام الروتيني فإن العالم الحديث يملك تلك القدرة الهائلة على سوق ناسه إلى كل أصناف التيهان والجنون. ليس الجنون في هذا السياق العام هو بالواقعة الشديدة الصراحة والظهور، إنما هي واقعة تسكن بخبث في عتمات كل ما هو مألوف لتطلّ برأسها من آن لآن مع خيبات الانهيارات الاقتصادية وصراع المصالح الدولية والاستيلاء على مراكز الطاقة وقتل آلاف المتظاهرين السلميين فسباق التسلّح وصولاً إلى نشوب الحروب حيث الجنون البشري يبلغ مداه ويتمدد داخل شرايين العالم وأوردته الجوّانية.
سكُل في كتابه، وفي إطار حكيه عن تلك الصراعات الضخمة التي تهيكل العالم يوماً بيوم، يتساءل: من يملك تلك القدرة على التمييز بين العقل والجنون عندما نكون نحن البشر إزاء متابعة مرهقة لكل أحداث العالم؟ إن الجنون في هذا المحل بشكل خاص هو بمثابة التواطؤ السرّي بين العالم والنفور منه، بين العالم وتلك المحاولات البلا طائل لتحسينه، إن الجنون في هذا المحل هو ذلك الهمس الصاخب الذي يصاحب نشرات الأخبار. تترنّح كل سرديات العقل في حضرة جنون العالم بل ترى أن الانحياز إلى العقل – بصرف النظر عن تاريخه – هو خيانة عظمى لهذا العالم الذي يقتات على جنون ناسه. إن العالم كما يتجسّد أمام عيوننا ومسامعنا عبر شاشات التلفزة المحلية منها والعالمية يمنح صوته للجنون. وكأن ثمة حقيقة لا يمكن تجاهلها فحواها أن الجنون هو بالعمق من يتحكّم في أسرار الشعوب.
ولا مهرب في هذا الصدد من المرور على كتاب "شطحات العقل بين الإبداع والجنون" للباحث الفرنسي رافاييل غايار الذي يفتتح كتابه بالقول: "يومياً، يسعى الرجال والنساء إلى إيجاد مكانهم الصحيح في عالم متغيّر ويكمن التحدّي في التكيّف مع الاضطرابات ورسم بعض المعالم التي تصمد بمرور الوقت. لأجل ذلك نحن نعتمد على العقل لنضفي اتساقاً على العالم". لكن، ماذا لما يكون العقل مجرد استراحة مؤقتة للجنون؟ بل، ماذا لما يكون العقل في بعض تمظهراته مجرد حيلة للجنون في سعيه للانقضاض؟ وماذا لما يكون العقل مجرد صدى لحروب صامتة يجيد الجنون إعلاء صوتها في طول العالم وعرضه؟ إنه العالم الذي يجيز طرح هذه الأسئلة وقد استفحل الجنون في امتلاك تلك القدرة على الإنصات... الإنصات إلى مصائب الجماعات وفقرها، الإنصات بعمق إلى المكبوتات الجماعية وإلى تراكم الخيبات والفجائع وصولاً للإنصات بعجرفة إلى التهيؤ للحرب المقبلة ونهش البشر لبعضهم البعض.
يخبرنا تاريخ الأدب الروسي عن المدعو مارتينوف، وهو مختل عمد في نهاية القرن التاسع عشر إلى وضع كتاب حاول فيه أن يثبت أن كل كلمات البشر في كل اللغات ترجع إلى جذر واحد، إلى جذر كلمة "عَضّ" ليصل بعدها إلى استنتاج مفاده أن عضّ البشر لبعضهم البعض هو المدخل الأول لانتسابهم إلى هذا العالم، وذلك بصرف النظر عن طرائق هذا العضّ وكيفية تجسيداته، بدءاً بـ"النقّيْفة" وصولاً إلى الصاروخ الباليستي فالنووي. يبدو أن جنون مارتينوف قد خوّله الإطلاع على سرّ هذا العالم وحقيقته إذا أردنا أن نستعير – بتصرف – ما قاله غاستون باشلار عن هذا المجنون العبقري الذي أدرك حقيقة العالم عبر بوابة جنونه.
فإذا كان الشفاء الإعجازي (miraculous healing ) – كما كان يُطلق على الشفاء من الجنون في العصور الوسطى – دليلاً على قدرة الربّ في طرد الشياطين من أرواح المؤمنين، فإن الشفاء من الجنون في العصر الحديث يقوم على زجّ حالات الجنون الفردية في حفلة الجنون الضخمة، في حفلة جنون العالم...ولنعرّج على مشال فوكو بهذه المناسبة.
بصرف النظر عن السياق الذي أجبر ميشال فوكو على إنهاء كتابه "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي" بالقول أن على العالم أن يبرر وجوده أمام الجنون، فإن هذا القول جدير بالاعتبار عطفاً على ذلك الغموض الذي يُدار عبره العالم من قبل سادته وأرباب الحروب وافتعال الأزمات فيه، ولعله من النافل القول في هذا الصدد أن الأزمات والحروب والغموض تسوق الجنون لأن يصير مشبعاً بالمعنى إلى حد اعتباره ضرورة قصوى بل فضيلة وصولاً ربما لأن يكون إلهاماً ربّانياً!
إن ما يلمّ ماضي العالم إلى حاضره كما يشهد التاريخ لا أقوال الفلاسفة وزمر المفكرين والكتّاب وأهل الاختصاص في هذا المبحث الإنساني أو ذاك إنما الجنون، فقط الجنون، هو سيّد المشهد بعامة وهي سيادة تارة يحوزها الجنون بالسر وتارة بالعلن وتارة عبر تلك المساحة الممتدة بين الغشاوة والوضوح. فإذا كان فريدريك نيتشه دعانا حرفياً عبر الفلسفة إلى "إزعاج البلاهة ومقاومتها" فكلنا يعرف إلى أين قادت نيتشه رحلة مقاومته للبلاهة، وإذا كان الألماني الآخر يوهان فريدريش هولدرلين قد رأى في الفلسفة ذلك المستشفى الضخم والمخصص للشعراء المنكوبين فإن نكبتنا مع العالم تسوقنا بخفة للاعتراف أن هذا العالم بكله هو مصحتنا العقلية حيث كل محاولة للإحاطة بالجنون تقع في باب العبث وتقع في مجاهل المستحيل.
إن مقاربة العالم عبر التحيّز لمحض العقل (الكانطي أو غير الكانطي)هو خيانة لجوهر العالم وكم كان الشاعر الفرنسي رينيه شار مفعماً بالحدس حين قال أن الصفاء الذهني هو مجرد تقطيبة جرح صغير في جسد العالم حيث الجنون الذي لا يكفّ عن النزف، ولا أخفي أني تصرّفتُ بعبارة شار ربما بما يفوق توقعاته.
وبالعودة إلى أندرو سكُل وكتابه "الجنون والحضارة" نراه لدى تطرقه إلى الحرب العالمية الأولى يخطّ: "في 28 تموز 1914، أصيب العالم، أو أوروبا على نحو أدق، بالجنون، وسرعان ما تأكدت من أن بقية العالم يشاركها جنونها". وفي هذا السياق، سياق الحرب العالمية الأولى وما تلاها من حروب، نرى هابرماس (الذي فارقنا قبل أيام) يسأل في "الحداثة وخطابها السياسي": هل تعلمنا شيئاً من كوارث النصف الأول من القرن؟ طبعاً الجواب لا، وفي بال هابرماس وقتها ما سمي بالحرب الباردة حيث الجنون المنطوي على رغبة حارة بالتسلّح ثم التسلّح تحضيراً لـ"عضّ" البشر بعضهم بعضاً في رحلة إفناء، وإن كانت قد تأخرت فإن أسبابها متوافرة على الدوم، على الدوم. وكخاتمة لهذه المادة أعتذر عن استحضار كل الأسماء التي قد وردتْ فيها، إنما الحكي عن الجنون يستلزم بالدرجة الأولى استحضار ناسه من الفلاسفة وغيرهم وصولاً إلى كاتب هذه السطور.




