"الرحالة العرب واستكشاف أوروبا": بدايات الاستغراب؟

شادي لويسالسبت 2026/03/21
Image-1774078619
شغف الرحلة
حجم الخط
مشاركة عبر

"فهل من قبيل الصدفة أن يكون هناك من جهة خطاب استشراقي في الغرب، من دون أن يوجد أي خطاب "استغرابي" في الشرق، ومن جهة أخرى أن الغرب هو تحديداً من هيمن على الشرق؟". معارضة تلك الأطروحة المقتبسة من مقدمة تزيفتان تودوروف للترجمة الفرنسية لكتاب "الاستشراق" لإدوارد سعيد، هي العتبة التي ينطلق منها كتاب "الرحالة العرب واكتشاف أوروبا: بدايات الاستغراب (1830- 1920)" لرندة صبري وترجمة داليا سعودي، والصادر هذا العام من دار المرايا القاهرية. 

 

ترفض صبري أطروحة تودوروف المتسرّعة والطمأنينة الجازمة التي ينفي بها وجود خطاب استغرابي. تحاول صبري سد الثغرات في نظرية سعيد حيث لا وجود لللشرق سوى بوصفه موضوعاً سلبياً للخطاب. فمع اتفاقها مع تحليل سعيد للخطاب الاستشراقي بوصفه أداة هيمنة على الآخر، إلا أنها ترفض خلو نظريته من أي ذكر لهذا الشرق بوصفه فاعلاً حياً. وفي سبيل ذلك تسعى عبر التنقيب في أدب الرحلة العربية إلى أوروبا في عصر النهضة إلى إعادة تأطير الشرقي بوصفه فاعلاً واسع الفضول يشق الطريق في الاتجاه المعاكس ومنتجاً لخطاب "استغرابي" بشأن الآخر. 

 

edward_said_1999_dpa_akg_1.jpg
سعيد

لتقديم مفهوم "الاستغراب" تعتمد صبري على تعريف حسن حنفي له في مقدمة كتابه "في علم الاستغراب"، والمعني بالخلاص من التبعية الكاملة للفكر الغربي أو رفضه رفضاً مطلقاً ينتهي إلى أنغلاق عقيم. الخطاب الاستغرابي ليس واحداً بل طيف واسع من المواقع تجاه أوروبا تتفاوت ما بين الانبهار والنقد الحاد والسخرية والإعجاب والتساؤل والانعكاس على الذات. وعلى خلاف الاستشراق، ما يميز الاستغراب هو أنه عميق الانعكاس، يعمل عبر "ارتداد النظرة" و"صورة الذات كآخر مغاير للآخر"، بقصد إصلاح الذات والوطن، فذلك كان مشروع النهضة العربية الأول. ومع أن حنفي ذهب في البداية إلى أن أدب الرحلة يتألف أساساً من انطباعات مما يجعله شكلاً غير مكتمل وغير علمي، إلا أن صبري ترى فيه بدايات تشكل خطاب "استغرابي"، مفهم بالشغف والفضول، انشغل أصحابه في أسفارهم بتحصيل المعرفة ونقلها والبحث والنقد الذي يطول الآخر والذات على قدم المساواة.

 

 

يجمع الكتاب عدد من المقالات الأكاديمية التي نشرتها صبري بالفرنسية على مدى 15 عاماً، تدور جميعها في فلك موضوعات متجانسة تتعلق بأدب الرحلة العربية في أوروبا، عن شغف الرحالة المصريين واللبنانيين بالمكتبات وزيارة الكنائس، والأسلوب المركب والفياض في كتاب "الساق على الساق" لفارس الشدياق، وارتداء الزي الشرقي في أوروبا وكيف يشعر المسافر بالنظرة الواقعة عليه هناك، والاستراتيجيات المتنوعة في نصوص المسافرين العرب للتضمين والتعدد اللغويين والترجمة والاقتراض من لسان إلى آخر، بالإضافة إلى تحليل النصوص المتعلقة بالمشاركة في مؤتمرات الاستشراق في الخارج (مثالاً المؤتمر الاستشراقي في ستوكهولم العام 1889) وزيارة المعارض الدولية وبالأخص معرض باريس العام 1900. 

537226-2048533408.png
الطهطاوي

في فصل بعنوان "شهادة أمين فكري في المعرض الدولي للعام 1889"، تنخرط صبري في سجال تصفه بالقصير مع تيموثي ميتشيل، وهو المؤسس لتيار جديد في دراسة تاريخ الحداثة في مصر. تراجع صبري تعليق ميتشيل في مقدمة كتابه الشهير، "استعمار مصر"، حول النظرة التي أولاها فكري لشارع مصر في المعرض الدولي المشار إليه. وتذهب إلى أن نص ميتشل تضمن مغالطات وافتراضات خاطئة مرجعها خطأ في الترجمة من طرفه. أيضاً تدحض أطروحة ميتشيل أن المسافرين العرب قد نزلوا طوال قرن كامل إلى مرتبة أشياء تمثل موضوعاً لنظر العين الغربية، بينما هم كانوا في الحقيقة منكبين على تسجيل الملاحظات وترجمة المفاهيم الجديدة وعقد المقارنات علاوة على ملاحظاتهم حول علامات الاحترام المبذولة لهم.

 

لا يقدم الكتاب أطروحة متماسكة تخصّ الاستغراب في مقابل الاستشراق، لكن صبري تحذرنا من البداية ألا نسمح للمقابلة بين المفهومين أن تضللنا وتجعلنا نفترض أن هناك علاقة تناظر بينهما. فبحسبها يظلّ الاستغراب خطاباً أكثر إنسانية وبريئاً من نوايا الهيمنة على الآخر.

 

 

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث