ستّ الحبايب في مركز الإيواء: تدبيرٌ شاق وقلبٌ لا ينكسر

ضحى الدرويشالجمعة 2026/03/20
218736-2018459191.jpg
الامومة بول غيراغوسيان
حجم الخط
مشاركة عبر

يحلّ عيد الأم هذا العام فيما اللبنانيّات يخضن مواجهة مباشرة مع أشكال القهر، ومع تحوّل "النزوح" من مصطلح سياسي - إجتماعي إلى تجربة جسدية يومية مُعاشة. لم يعد 21 آذار مناسبة لترداد الشعارات، إنما صار وقفة أمام واقع تلد فيه المرأة طفلها على الرصيف، هرباً من القصف، وتُدار مراكز الإيواء بصلابة تتجاوز قدرة المؤسسات شبه المنهارة. يكتسب هذا التاريخ شرعيته، هذه الأيام، من صمود النازحة، التي ترفض انكسار كرامتها تحت وطأة التهجير القسري، مما يفرض انتقالاً جذرياً في الخطاب النسوي، من المطالبات النظرية بالتمكين، إلى الإعتراف بالمرأة، كقوة لا يُستهان بها، تقود معركة البقاء والحفاظ على النسيج الاجتماعي في قلب الكارثة.

 

بين "الإغاثة" التي فرضتها حروب متتالية وتهجير قسري، و"الكرامة" التي تسعى النساء لانتزاعها في ظل ضعف المؤسسات، تتشكل ملامح نضال وجودي تخوضه اللبنانيّات. لم يعد هذا التحول مجرد استجابة للأزمات، بل صار إعادة تعريف لمنظومة القيم التي تحكم دور المرأة ومكانتها في الفضائين العام والخاص، وخصوصاً مع تصاعد حدة النزوح الأخير.

 

ارتبط مفهوم الصمود في الوجدان الجمعي اللبنانيّ بصلابة المرأة، وقدرتها على تطويع الأزمات للتعامل مع ظروف حياتية غير إعتيادية. طوال عقود، مثلت المرأة الضامن الحقيقي لاستقرار النسيج الاجتماعي، إذ تماهت صورتها مع التدبير الشاق في ظل غياب الدولة، ناهيك عن دورها المحوري في قطاعات التعليم والصحة والعمل الميداني. كان هذا الصمود محفّزاً لإنتاجية تتجاوز الاعتراف الرسمي، وقوة تُمارس في مراكز النزوح أو تحت وطأة القصف.

 

لقد صاغ هذا الواقع نمطاً من "المواطنة الفطرية" التي تتجاوز التنظير السياسي، لتمارس السيادة عبر الكفاية الذاتية، وتدبير شؤون العائلة المشردة. حين اشتدَت موجات النزوح الأخيرة، تحولت المرأة إلى رافعة حقيقية للمجتمع، فصارت هي المعيلة، والمسؤولة عن تأمين المأوى، والممرضة، وحارسة الأمان النفسي للأطفال، ولو في شكل نسبي يميل لصالحها، إذ لايمكننا إلغاء دور الرجل في هذا المجال. لم تعد القوة هنا خياراً متاحاً، بل ضرورة بيولوجية واجتماعية فرضتها ظروف قاهرة، حيث يتجلى جوهر هذه المرحلة في الصمود الفعلي، وحيث تُعرّف الأنوثة بقدرتها على احتواء الكارثة، وإعادة لملمة شتات العائلة المهجرة.

 

ولادة على قارعة الطريق

ومع تفاقم وطأة التهجير القسري وإنعدام الأمان، برزت وقائع إنسانية صادمة قلبت الموازين التقليدية للحقوق البشرية. وثقت التقارير الميدانية حالة ولادة لسيدة لبنانيّة في الطريق العام في خضم موجة النزوح، في مشهد يختزل ذروة المعاناة والإنتهاك الصارخ للحق في الصحة والكرامة. انتقلت المرأة اللبنانيّة، هنا، من حيز "الحماية المفترضة" إلى مواجهة "الموت الصامت" في العراء، مما حول تجربتها الشخصية إلى صرخة احتجاج ضد واقع مرير.

 

لقد ساهمت هذه الوقائع في تحطيم وهم الاستقرار الزائف، إذ كشفت هشاشة البنية التحتية، وغياب ممرات الأمان للنساء والحوامل. لقد منحت هذه المآسي المرأة اللبنانيّة وعياً جديداً بضرورة انتزاع الحقوق الأساسية، فصارت قضايا الرعاية الصحية في مراكز الإيواء، وتأمين مستلزمات النساء النازحات، تتصدر الأولويات المطلبية. ومع ذلك، فإن هذا الواقع لم يخلُ من ارتدادات قاسية، فقد تحولت معاناة الولادة تحت القصف أو في السيارات إلى مادة إعلامية، مما يستوجب الحذر من تسليع الوجع أو اختزال الهوية اللبنانيّة في قوالب البؤس العابرة.

 

فجوة جيلية

تكشف المقارنة بين جيل الحرب القديم، وجيل الأزمات الراهنة، فجوة معرفية عميقة. فبينما ترى نساء الرعيل الأول أن القيمة تكمن في الصبر المادي والتضحية الصامتة، تجد الأجيال الشابة نفسها معنية بالمطالبة بالحقوق وضرورة التحرر من أعباء تلك التضحية التي غالباً ما تأتي على حساب الكيان الشخصي. إن الشابة اللبنانيّة اليوم ترفض أن يكون التهجير قدرها الوحيد، فهي تسعى لأن تكون صاحبة قرار، ولأن تمتلك سلطة التحكم في جسدها ومسار حياتها. 

 

هذا التوتر يخلق نوعاً من الهوية المركبة، فنحن نشهد اليوم ظهور المرأة متعددة المهام، التي تجمع بين صلابة التدبير في مراكز النزوح، والوعي القانوني بانتزاع الحقوق. بيد أن هذا الجمع يُثقل كاهلها بضغوط نفسية هائلة، إذ تجد نفسها مُطالَبة بالتفوق في إدارة الأزمة الأسرية، والمشاركة في الحراك الاجتماعي معاً، من دون أن تسقط عنها الالتزامات الاجتماعية الموروثة التي تضاعفت مع فقدان المنازل والاستقرار.

 

الاقتصاد البديل وكسر التبعية

من الناحية الاقتصادية، أحدثت الأزمة الراهنة ثورة في مفاهيم العمل والإنتاج لدى اللبنانيّات. فبعدما كان العمل رهناً بالوظائف التقليدية، أصبحت الحاجة تتيح لهنّ إنشاء مشاريع صغيرة من داخل مراكز الإيواء أو البيوت المستأجرة في ظروف صعبة. الصناعات الغذائية البديلة، والعمل التعاوني، وتقديم الخدمات من بُعد، هذه كلها مجالات مكّنت المرأة من تحقيق استقلال مادي كان في السابق رهناً بتوافر سوق عمل مستقر.

 

إن هذا التحول الاقتصادي المستجد هو المحرك الحقيقي للتغيير الاجتماعي، فاستقلال المرأة مادياً في زمن الحرب يمنحها الجرأة على ممارسة سيادتها الفكرية والوطنية. ومع ذلك، تظل المعضلة في استدامة هذا التأثير، وضمان عدم تحوله إلى مجرد تدبير مؤقت ينتهي بانتهاء الأزمة، بل يجب تأطيره ضمن سياسات وطنية تدعم ريادة الأعمال النسائية في أصعب الظروف.

 

عيد الأم: لا تهميش ولا صمت

في عيد الأم، يغدو من الملحّ تجاوز النظرة التبسيطية التي تضع "الصبر" و"المطالبة بالحق" في حالة تضاد دائم. المطلوب هو صياغة عقد اجتماعي وفكري جديد يعترف بقدسية الجهد الميداني للمرأة اللبنانيّة في مراكز النزوح، وفي الأماكن الأخرى، ويقدّر، في الوقت ذاته، شجاعتها في مواجهة السياسات التي أدت إلى تهجيرها وإذلالها في طرق الولادة القسرية.

 

إن نون النسوة اللبنانيّة اليوم هي نون الفعل والمواجهة معاً. المرأة التي تدير مراكز الإيواء بقلب لم ينكسر، هي ذاتها التي ترفع صوتها للمطالبة بوطن آمن، يضمن لها الولادة بكرامة والعيش بحرية. إن تكامل هذين القطبين هو ما يشكل قوة المرأة اللبنانيّة المعاصرة، قوة تستمد أصالتها من تاريخ النضال، وتستمد حداثتها من الإصرار على رفض التهميش والصمت. 

 

لعل رحلة المرأة اللبنانيّة بين النزوح والكرامة هي رحلة الانتقال من "ضحية" في سياقات الصراعات الكبيرة، إلى "فاعل" يمتلك زمام المبادرة، ولو مع كثير من التغب والألم. إن الاحتفاء الحقيقي بها في عيدها الأمومي لا يكمن في الخطابات الإنشائية، بل في تمكينها في مركز القرار، بعيداً من أي وصاية تُفرغ تجربتها القاسية من محتواها الإنساني، وحتى السياسي في بعض الحالات.

 

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث