فؤاد كنعان في ذكراه الـ25: عاصفة من التمرّد والسخرية

سليمان بختي الأحد 2026/03/15
Image-1773566953
كان فؤاد كنعان ينتقم بالكتابة من القرف والقلق والجمهورية البائسة
حجم الخط
مشاركة عبر

مضى ربع قرن على رحيل القاص والاديب فؤاد كنعان (1920-2001) هو أحد الرواد الكبار في كتابة القصة في لبنان. يدأب على المعنى والمبنى نحتاً وحفراً وتنزيلاً. كأنه يريد من الكلمات أمراً أثيراً، أمراً مستحيلاً. حمل في قلبه عاصفة من التمرّد على اعوجاج الجمهورية ووقائعها منذ الاستقلال. وهو الذي عمل في وزارة الاشغال حتى تقاعده. ووصفها غير مرة: "مغارة علي بابا نحن صيغ لها دستور". أو: "هذه ليست جمهورية يا ريكاردو هذه معرسة في الهواء الطلق". ولا مرة لفظ كلمة "واقعنا" إلا وأضاف إليها كلمة "الآسن". 
كان فؤاد كنعان ضد كل ضلال وضد كل خطل وكل زغزغة في ضمير. وإذا لم يقدر أن يواجه أطلق كلمته على المعنى والمبنى ساخراً متهكماً ساخطاً. ورغم كل ذلك الأسى الشفيف احتفظ في زاوية من قلبه بنهر عذب من الحنين يستعيد فيه الزمن الهارب والمكان المفقود ولو على الورق. 

 

 الحكمة
ولد فؤاد كنعان في رشميا جبل لبنان في عام 1920. تلقى دروسه الأولى في مدرسة يوحنا للرهبان. وأكملها في مدرسة الحكمة في بيروت. عام 1939 التحق بمعهد الحقوق الفرنسي. ومزاولاً في الوقت عينه تعليم اللغة العربية في مدرسة الحكمة في بيروت. وكذلك الإشراف على تحرير مجلة "الحكمة" من العام 1951 وحتى العام 1958، واستقال احتجاجاً على تدخل اللجنة الكهنوتية في مضمون المجلة. ولكن لعبته في المجلة كانت في أسئلة التجديد واللغة والواقع والتغيير، وفي استقطاب الأقلام والمواهب. لذلك راهن على مواهب توسم فيها الخير والتغيير والتمرد، من أمثال شوقي ابي شقرا وإنسي الحاج ويوسف حبشي الأشقر وجورج شامي وجميل جبر وغيرهم. عام 1942 انضوى في سلك الوظيفة العامة، ليكتشف ذلك الثقب الاسود الذي سيبتلع لبنان كله. ثقب الفساد والطائفية والنفاق. ثقب السرطان الذي سينتشر في جسد البلد والجمهورية. 

وكان فؤاد كنعان في كل ذلك ينتقم بالكتابة من القرف والقلق والجمهورية البائسة التي تشبه السوق العمومية. وكل شيء بسعره. ولكل زعيم أزلامه. أما هو فيقول: "لست مؤمناً، أفلست من وطني وشعبه ومرحبا باليأس".

Image-1773565912
مع انسي الحاج وشوقي أبي شقرا

 

تهديدات
كتب القصة القصيرة وبقي سيدها منذ كتبها للمرة الأولى ولم يبلغ الخامسة عشرة، وكانت بعنوان "الشهيدان" ونشرها في جريدة "الرابطة" لسليم أبو جمرة. وكتب أيضاً في مجلة "المكشوف" في كنف الشيخ فؤاد حبيش وعصبة العشرة. وكان له زاوية في جريدة "لسان الحال" بعنوان "على راس اللسان" ويوقعها بـ"لسان". وكتب أيضاً في زاوية ثابتة في جريدة "الاتحاد اللبناني" بعنوان "حبر على ورق" وكان يوقعها بـ"ماجن". ووصلته تهديدات من السياسيين اللبنانيين، فغادرها. وكان آخر مقال له بعنوان "فتش عن الحرية في ورق آخر". كتب في القصة " قرف"(1947) و"أولاً وآخراً وبين بين" و"على أنهار بابل" و"وكأن لم يكن" (1992) و"مديرية كان وأخواتها". وله في الترجمة: "اوجيني غرانده" لبلزاك. و"لبنان في شخصيته وحضوره " لميشال شيحا.


لم تكن الترجمة عنده سوى تأليف على التأليف. كان مهفهفاً في الترجمة على ما يقول الشاعر الراحل شوقي أبي شقرا وداعياً صادقا متأنقا إلى الوليمة. 
ترك فؤاد كنعان في الأدب بصمة تخصه وحده. بصمة عميقة على القصة بنية ولغة ومعالجة. ودائما أنت امام قصصه كأنك أمام قطعة من الحياة. امام حالات الغضب والواقع والسخرية والثورة. 
لعل السؤال الذي ارق كنعان واوجعه هو: كيف يمكن إزاء كل هذا الخلل، كل هذا الزيف أن تأتي الكلمة وتستوعبه؟ عندما قدم الناقد الكبير مارون عبود كتابه قرف" كتب: "فؤاد كنعان الشاب القصصي الذي يصور محيطه وحياة ذاق طعمها ولهذا أحس وأجاد. سأجعلها بيضة الديك فلا يطمع بي أحد. لو لم يعجبني لم أعد طوري وأقدم لها. 

وحسبك هذا برهان على طيبتها. أما رأيي المبسط فتقرأه، ان عشنا، بعد ظهورها وزيارتها مختبري. وداعاً الآن".


في التسعينات من القرن الماضي كنت محاوره على القناة اللبنانية الارسال في برنامج "حوار العمر" الذي كانت تعده الإعلامية الراحلة جيزيل خوري. سألته: رغم الواقعية والثورة والسخرية والأسلوب المتفرد لماذا بقيت كتبك اسيرة النخبة؟ انفعل وقال: "كتبي حوربت واستبعدت من بيئتها..." لكن اتذكّر الآن وأكتب واعتذر منه لأقول كيف لهذا الثائر المتأثر الغاضب "أن يرى أطباق مونة تسبح في الشمس، وبحمد الشمس تسبح". كيف لهذا القلب الفائض بالمرارة أن تغمره انهار رشميا. كيف يجعلنا نردد معه "يا رفيق الايام المحسوبة علينا عبثا". لم يعترف كنعان وهو السباق بالخطوط الحمراء لا في السياسة ولا في الدين ولا في الجنس ولا في عبثية الحياة. ولا عجب ان يسال في كتابه "كأن لم يكن": هل يستأهل العمر بعد، أن نبني بيتا... أم نحن بشر لا نستأهل العيش في بيوت". هذا هو فؤاد كنعان يعترض على كل شيء ولا يساوم ولو بقي دامعاً متفرداً عازفاً على أوتار القلب. بعد ربع قرن على رحيله لا يزال فؤاد كنعان حاضراً كاتباً قصصياً كبيراً وانساناً نبيلا من بلادنا. أذكره في شرفة منزله في الأشرفية في تمام اناقته ينتظر أن يقع العالم في قاع كأسه. وهو لم يتوقع شيئا من أحد. لم تطبع أعماله الكاملة. ولم يطلق اسمه على شارع أو جائزة. ولا نعرف إذا ما ترك أوراقاً للنشر، وهو الذي بقي حتى أيامه الاخيرة يحبر أوراقه المرتبة العطرة. 

فؤاد كنعان كنت سباقا وأكثر ما يفجع فيك أنك كنت على حق رغم أشباح الصمت التي بقيت تلاحقك حتى في عزلتك الأخيرة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث