في يناير العام الماضي، قدم الفنان الكوميدي الفلسطيني علاء شحادة عرضاً بعنوان "حصان جنين" في مسرح رويال سترادفورد لندن. ومطلع هذا الأسبوع، بدأت قاعات السينما في بريطانيا وإيرلندا، عرض الفيلم الوثائقي "نادي فلسطين للكوميديا"، والذي يفتتح مشهده الأول بصوت شحادة وهو يسجل تأسيسه مبادرة لنادي كوميديا الستاند أب في فلسطين العام 2022، بالشراكة مع المدربة البريطانية والمديرة الفنية، سام بيل. وينتهي الفيلم بالعرض المسرحي في لندن، لكن هذا لا يعني أنه فيلم عن شحادة، وإن كان يركز عليه بشكل كبير.
يتتبع مخرج "نادي فلسطين للكوميديا"، علاء علي عبد الله، ستة كوميديين من مناطق مختلفة من فلسطين، علاء شحادة من "عاصمة المقاومة" جنين، وحنا شمّاس من حيفا الذي يشعر بالذنب كونه فلسطينياً يستطيع أن يرى البحر ولأنه يحمل جواز سفر إسرائيلياً ويمكنه الحركة في أراضي فلسطين التاريخية وخارجها بحرية، وإباء منذر "سورية وعربية وفلسطينية" من الجولان وهي ذات شخصية متمرّدة وصوت عالٍ، وديانا سويطي من بيت عوا- البلدة الصغيرة بالضفة والمعروفة بسوقها للأثاث والأجهزة المستعملة والمطلة على بحر من الغسالات والثلاجات القديمة، وخليل البطران من "عاصمة الدولار" رام الله، ورائد الشيوخي الأكبر سناً بينهم وهو من الخليل.
يشبه الفيلم في بنيته أفلام "الجولات الفنية"، حيث يعطي للمشاهد فرصة لمتابعة ما يجري وراء الكواليس وتطور العلاقات بين المشاركين في العمل وكذلك تتبع الجولات الفنية لتقديم عروض في أنحاء في فلسطين، في رام الله وحيفا والخليل والقدس، ولاحقاً في لندن العام 2023 حيث سيعلق أعضاء الفريق هناك لفترة بسبب اندلاع الحرب بعد السابع من أكتوبر.
لكن "نادي فلسطين للكوميديا" ليس مثل أي فيلم آخر يتتبع جولة "ستاند أب"، فكيف يمكن إبداع مزحة تحت الاحتلال؟ وبالأولى ما الذي يمكن للضحك أن يفعله في ظل المأساة الدائمة؟ في انتقال أعضاء الفرقة من عرض لآخر، نرى خريطة لتمزيق الأرض الفلسطينية وتقطيعها بواسطة الأسوار والحواجز والإجراءات البيروقراطية والتصاريح والهويات الممغنطة. والأهم، نرى وسائل الاحتلال لتفتيت الفلسطينيين، ونحن نشاهد الاختلافات العميقة في الأوضاع القانونية لأعضاء النادي وهو ما يحدد قدرتهم على الحركة من نقطة إلى أخرى داخل الحدود الفلسطينية أو خارجها. على سبيل المثال، يستطيع شماس الدخول إلى القدس والسفر إلى الخارج بسهولة بهويته الإسرائيلية، بينما تخضع السيوطي لقيود شديدة على حركتها حتى داخل الضفة الغربية ويحتاج سفرها إلى الخارج إلى تأشيرة من السفارة البريطانية وقبله تصريح أمني إسرائيلي. يضطر بعض أعضاء النادي للتحايل على القواعد للوصول إلى حيفا من أجل تقديم عرض هناك، ما يجعلهم عرضة لخطر التوقيف. وحين يعاني الشويخي من وعكة صحية أثناء الجولة الفنية، لا يستطيع الحصول على الرعاية الصحية بسبب وضعه غير القانوني.
قُدمت تلك التيمة مراراً في العديد من الوثائقيات والأفلام الروائية عن فلسطين. لكن اللافت للانتباه في هذا الفيلم هو كيف تتحول تلك الخريطة المعقدة من التقسيمات والحواجز إلى عزلات فلسطينية متباعدة وجزر منفصلة من حس الدعابة. هل يضحك الفلسطيني لنكتة فلسطيني آخر؟ هل يفهمها؟ وإن فعل، هل يقبلها؟ نشاهد خلف الكواليس شداً وجذباً بين أعضاء النادي بخصوص المزحات المقدمة، وبشأن ما يُقبل في مكان ولا يُقبل في مكان آخر، والتفاوت في استقبال جمهور العروض في محطات الجولة الفنية. تزداد تلك العزلات، حين ينتهي اثنان من أعضاء الفريق إلى الشتات، شحادة في أمستردام ومنذر في برلين.
باستثناء شحادة، تبدو بقية شخصيات الفيلم باهتة، من دون تعمق كافٍ في خلفياتها أو دوافعها، ولا يُشبع الفيلم فضولنا بشأن نقاشاتهم أثناء كتابة نصوص العروض، كما يكتفي بعرض مقاطع شديدة الاقتضاب من فقرات الجولة الفنية. أما دور البريطانية سام بيل، في النادي الفلسطيني، فلا يخضع لأي مساءلة أو تأمل. يُفوّت "نادي فلسطين للكوميديا" فرصة طرح أسئلة وزوايا جديدة للنظر، تعيننا على التفكير في فلسطين والضحك، والقالب الفني والمقاومة، مكتفياً بتقديم سردية مطروقة كثيراً، وإن ظلّت مؤثرة، بشأن الاحتلال والصمود الفلسطيني في مواجهته.
