على الرغم من أنّ المعارك الإقليمية الإسرائيلية الاميركية ضد إيران، والإسرائيلية في مواجهة حزب الله، تُستعمل فيها أعتى أنواع الأسلحة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطائرات والمسيّرات والصواريخ الباليستية والعنقودية والفرط صوتية، لكن تسميات المعارك وبعض أسماء الصواريخ ما زالت تحمل بُعداً غيبياً ميتولوجياً ودينياً، من "زئير الأسد" التسمية الاسرائيلية، إلى "الغضب الملحمي" الأميركية، والآن "العصف المأكول" تسمية حزب الله اللبناني المستجدة، وهي مقصدنا من كتابه هذه العجالة.
و"العصف المأكول" تسمية مأخوذة من الآية الرقم 5 من سورة الفيل القرآنية التي تقول: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ* أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ* وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ* تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مّن سِجّيلٍ* فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مّأْكُولِ}.
ومتعة المتع، قراءة الاشتقاقات اللغوية والمتخيل الديني التوراتي والإسلامي، بغض النظر عن المغزى والمعنى، والاستخدام الحربي والإيديولوجي. واللافت في كتب المفسرين والمؤرخين قديماً أنهم كان يفسرون الحكايات والقصص التي قيلت على الألسن، يدوّنونها ويكتبونها بواقعية ويسمون الأشياء بأسمائها بلا مواربة ولا رقابة ذاتية، بغض النظر عن المبالغة التهويل وحديث الخرافة في تفسير بعض الكائنات والحيوانات الواردة في القصص القرآني والديني. ولئن كان المتخيّل في أبسط تعريفاته يعني، مثلما يذهب إلى ذلك الفيلسوف والناقد الاجتماعي اليوناني - الفرنسي كورنيليوس كاستورياديـس، القدرة على أن ترى في الشيء ما ليس هو، أو على غير ما هو عليه، فإنّ المتخيّل الديني حسب تعريف الباحث بسام الجمل، هو جملة المنتجات السيميائيّة، اللّغويّة أو غير اللّغويّة، التي يصطنعها الإنسان الديني في علاقته مع المفارق والمطلق أو المحايث من أجل الإجابة عن أسئلة البدايات والدنيويّات والأخرويّات، بعضها أو جميعها.
"كَعَصْفٍ مأكول"، شغلت الرأي العام في الساعات الماضية، بعدما استخدمها عناصر حزب الله، وقبلهم عناصر حماس، ومعناها اللغوي العام: "كَـتِبْنِ أكَلتـْه الدّوابّ فراثـَتـْه". وكتب العالم اللغوي فخر الدين الرازي في تفسيره:
العَصْفِ: أنَّهُ ورَقُ الزَّرْعِ الَّذِي يَبْقى في الأرْضِ بَعْدَ الحَصادِ وتَعْصِفُهُ الرِّياحُ فَتَأْكُلُهُ المَواشِي. والعَصْفُ التِّبْنُ "تَعْصِفُ بِهِ الرِّيحُ عِنْدَ الذَّرِّ فَتُفَرِّقُهُ عَنِ الحَبِّ، وهو إذا كانَ مَأْكُولًا فَقَدْ بَطَلَ ولا رَجْعَةَ لَهُ ولا مَنَعَةَ فِيهِ". والعصف "أطْرافُ الزَّرْعِ قَبْلَ أنْ يُدْرِكَ السُّنْبُلَ". وهو "الحَبُّ الَّذِي أُكِلَ لُبُّهُ وبَقِيَ قِشْرُهُ". و"ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ المَأْكُولِ وُجُوهًا: أنْ يَكُونَ المَعْنى كَزَرْعٍ وتِبْنٍ قَدْ أكَلَتْهُ الدَّوابُّ، ثُمَّ ألْقَتْهُ رَوْثًا، ثُمَّ يَجِفُّ وتَتَفَرَّقُ أجْزاؤُهُ، شَبَّهَ تَقَطُّعَ أوْصالِهِمْ بِتَفَرُّقِ أجْزاءِ الرَّوْثِ، والِاحْتِمالُ الثّانِي: عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ واقِعًا بِوَرَقِ الزَّرْعِ إذا وقَعَ فِيهِ الأكّالُ، وهو أنْ يَأْكُلَهُ الدُّودُ".
وجاء في "تفسير القرطبي" عن الشاعر واللغوي رؤبة بن العجاج قال: ومسهم ما مس أصحاب الفيل ترميهم حجارة من سجيل ولعبت طير بهم أبابيل فصيروا مثل عصف مأكول، العصف: جمع، واحدته عصفة وعصافة، وعصيفة. وأدخل الكاف في كعصف للتشبيه مع مثل، نحو قوله تعالى: ليس كمثله شيء. ومعنى مأكول، مأكول حبه.
والقصّ القرآني، وعلى نسقه السرد التوراتي، يقدّم نصوصاً يفوق خيالها الخيال هوليوودي وربما يؤسس له. فقصة أصحاب الفيل كما وردت في "تفسير الطبري": يقول تعالى في ذكره لنبيه محمد: ألم تنظر يا محمد بعين قلبك، فترى بها كَيْفَ فَعَلَ رَبّكَ بأصحَابِ الْفِيلِ الذين قَدِموا من اليمن يريدون تخريب الكعبة من الحَبَشة ورئيسهم أبرهة الحبشيّ الأشرم أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ يقول: ألم يجعل سعي الحبشة أصحاب الفيل في تخريب الكعبة فِي تَضْلِيلٍ يعني: في تضليلهم عما أرادوا وحاولوا من تخريبها".
لكن الخيال يصير كرة ثلج في كتب التفسير. وورد على لسان ابن مسعود في "تفسير القرطبي": لما رمت الطير بالحجارة، بعث الله ريحاً فضربت الحجارة فزادتها شدة، فكانت لا تقع على أحد إلا هلك، ولم يسلم منهم إلا رجل من كندة. وجاء في "التفسير الوسيط": فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ بيان للآثار الفظيعة التي ترتبت على ما فعلته الحجارة التي أرسلتها الطيور عليهم بإذن الله. أي: سلط الله عليهم طيراً ترميهم بحجارة من طين متحجر، فصاروا بسبب ذلك صرعى هالكين، حالهم في تمزقهم وتناثرهم كحال أوراق الأشجار اليابسة أو التبن الذي تأكله الدواب.
ذهب بعضهم إلى المبالغة في وصف طيور أبابيل، وذُكر أنها كانت طيراً أُخرجت من البحر. ثم اختلفوا في صفتها، فقال بعضهم: كانت بيضاء. وقال آخرون: كانت سوداء. وقال آخرون: كانت خضراء، لها خراطيم كخراطيم الطير، وأكفّ كأكفّ الكلاب. وقيل: هي طير سُود بَحْرية، في مناقرها وأظفارها الحجارة. وأنها كانت تعشش ما بين السماء والأرض.
يروي الطبري حديثاً عن عكرمة حدثنا يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حسين، عن عكرِمة، في قوله: {طَيْراً أبابِيلَ} قال: كانت طيراً خُضْراً، خرجت من البحر، لها رؤوس كرؤوس السباع. وقال الرازي: روى ابن سيرين عن ابن عباس قال: كانت طيراً لها خراطيم كخراطيم الفيل وأكف كأكف الكلاب، وروى عطاء عنه قال: طير سود جاءت من قبل البحر فوجاً فوجاً، ولعل السبب أنها أرسلت إلى قوم كان في صورتهم سواد اللون وفي سرهم سواد الكفر والمعصية، وعن سعيد بن جبير أنها بيض صغار ولعل السبب أن ظلمة الكفر انهزمت بها، والبياض ضد السواد، وقيل: كانت خضراً ولها روؤس مثل رؤوس السباع، وأقول: إنها لما كانت أفواجاً، فلعل كل فوج منها كان على شكل آخر فكل أحد وصف ما رأى، وقيل: كانت بلقاء كالخطاطيف.
لقد فسر البعض كلمة أبابيل في الآية الثالثة من سورة الفيل على أنها "طير الأبابيل" ليدل بذلك على أن نوع وجنس طيور القصة هي طيور الأبابيل، التي يجعلها البعض بأنها طيور السنونو المعروفة، ومن هؤلاء نجد الدميري في كتاب "حياة الحيوان الكبرى". ولطائر السنونو قدسية معينة لأنه، حسب الحكاية، كان قد رجم بحجاراته جنود أبرهة.
والله أعلم.
