"ميتافيزيقا غزة في لاهوت الإبادة" لجورج كعدي

المدن - ثقافةالأربعاء 2026/03/11
Image-1771339825
غزة
حجم الخط
مشاركة عبر

صدر عن دار نلسن في بيروت كتاب "ميتافيزيقا غزة في لاهوت الإبادة" للكاتب والناقد السينمائي جورج كعدي، وهو مجموعة مقالات نشرت في "ضفة ثالثة"، و"العربي الجديد"، على امتداد زمن الإبادة.


جاء في التقديم: "منذ الساعات الأولى للإبادة الصهيونية الوحشية، لم تبق غزة مجرّد مأساة بل أضحت سؤالاً ميتافيزيقياً مفتوحاً على أسئلة المعنى والعدالة وغياب التدخّل الإلهيّ، رغم أنّ أهلها المفجوعين بشهدائهم ومُصابيهم وجرحاهم والمدفونين تحت الأنقاض، ما انفكّوا يردّدون بألم جارح يشلّع القلوب جملة "حسبي الله ونعم الوكيل" التي نطق بها النبي محمد وأصحابه بعد غزوة أُحد، موكلين أمرهم وفجيعتهم إلى الله، أفضل من يفوّضون إليه واقعهم، وملجأهم الأخير بعدما تخلّى العالم كله عنهم وتركهم فريسة الوحش الصهيونيّ وداعميه. ولا ملامة على الإنسان البسيط الضعيف، المغلوب على أمره، إن تسلّح بإيمانه في لحظة الفقد والألم. إيمانه يعزّيه بعض الشيء ويخفّف وطأة وجعه وعجزه، فماذا بقي له سوى الاستجارة بالله والتسليم بـ"إرادته".

Image-1773219905


لكنّ المتبصّر في أحوال العالم والشاهد العيان على ظلمه ووحشيته وانحطاطه القيميّ والإنسانيّ، لا يجاري ابن غزة المظلوم بمثل هذين التسليم والتوكيل، بل يصير من واجبه أن يعيد طرح السؤال حول العدالتين الأرضية و"السماوية"، إن وجدتا، بل حول الشرط الإنسانيّ بأسره ووحشية الإنسان التي لم تتوقف يوماً منذ سحيق الأزمنة. ومن الضروريّ أن يمتدّ السؤال إلى البعد الميتافيزيقيّ وإعادة البحث كل مرة بوجود (أو عدم وجود) قدرة إلهية ترعى هذا الوجود وتسيّره وتتدخّل (أو لا تتدخّل) في شؤونه لإيقاف الحروب والإبادات والمذابح التي تنتج جبالاً من جثث وآلام. فالسؤال قديم جداً لا يني يتجدّد مع كل محنة وكارثة ومأساة".
 
وكتب الناقد محمود شريح في تقديمه للكتاب: جورج كعدي رفيق الفكر والثقافة على صفحات «النهار» في عصرها الذهبي الذي ولّى، والناقد والمحاضر الجامعي في السينما، والمهتمّ بالفلسفة متخصّصاً في آرثر شوبنهاور الفيلسوف الموسوم بالتشاؤم الوجودي وهو المستنير ومُسقط الغشاوة عن الوجود، ها إنّي أقدّم كتابه ميتافيزيقا غزة - في لاهوت الإبادة الذي يلحّ فيه على أنّ غزة ليست مجرّد مكان محاصر، مقتول ومجوّع ومتروك في العراء، بل إنّها صارت موقعاً ميتافيزيقياً للسؤال، لا يُطرح على السياسة وحدها، أو على العدالة الأرضية وحدها، بل أيضاً على العناية الإلهية، فيتساءل من أين تستمد الدولة العبرية راحة بال وطمأنينة إزاء ارتكابها إبادة مطلقة ويردّها، مصيباً وصادقاً، إلى خرافة معتقد أهلها الديني في التوراة، وإلى أن المناهج الدوغماتية لهذه الخرافة تلقى صدى لدى الغطرسة الأميركية في استباحتها أدنى حقوق الإنسان، وإن أدرك الكاتب والباحث والمتأمل جورج كعدي أن الإنسان منفرداً بين الكائنات قادر على ارتكاب جرائم الإبادة.


يجنح المؤلف، كعادته، إلى تفسير مجرى وقائع حوادث غزة بنَفَس شوبنهاوري، فيرى أن الإنسانية، لهي، في صمتها عن إبادة أهل غزة، هي وقائع موت غير معلن للإنسانية، ويرد ذلك إلى أن جوهر الدولة العبرية قائم على السيادة القاتلة، مشيراً بحكمة إلى تصوّر أسفار التوراة القائل بأنّ دور الرب لبني إسرائيل لا يقف عند حد التشجيع على الحرب، لا بل أنه يخوضها بنفسه.


يعالج جورج كعدي ها هنا فكرة الألم الأخلاقي الذي يضغط على الشرّ بتصوّره، فيأخذ بنموذج تأريخي للوعي التراجيدي عند شكسبير حيث نزعة شك ونظرة تشاؤم، وفي هذا كانت مسرحياته عزاءً عظيماً عن عالم وضيع كُتب على شخوصه أن يكافحوا بلا هوادة، فيتساءل الكاتب عن مدى علاقة الفلسفة باللحظة الفلسطينية الراهنة من منظوري الألم والشر، ويخلص إلى أنه إذا لم يكن الفيلسوف مفكراً بجَمْع روحه لا بعقله وحده، تنتفي عنه صفة الفلسفة، ذلك أن استباحة الجسد الفلسطيني وتجريده من إنسانيته لهما خروج بالمطلق عن ميتافيزيقا الكون، فيتأمل طبيعة العنف البشري، وبالنسبة إلى غزة، عينه أبداً على مهابة عبور تفوق ذاك المتخيّل، فعبور أهل غزة من موقع إلى موقع بحثاً عن الخلاص والنجاة تحت وقع الحصار، يدحض كل أساطير العبور المنسوجة بالخرافة والمقنّعة بدوغما التلفيق والخيال وتجيير القدرة الإلهية للأنا المتعالية على الآخر، فيرى أنه العبور الذي لا يسبقه واقعاً عبورٌ آخر على مرّ التاريخ.


وفي صلب هذه المقاربة الفلسفية في ميتافيزيقا غزة – في لاهوت الإبادة عودة إلى نيتشه، سليل الكانطية المطعّمة بالشوبنهاورية، المعترف بأنه كان دائماً عدمياً في قرارة نفسه، فلا يصدّق المؤلف كيف عجزت مئات الملايين على سطح هذا الكوكب عن جَزْره وردّه إلى ضوابطه الإنسانية، ذلك أن شبق تدميرية نتنياهو لإبادة أهل غزة لهو في آن شبق ساعٍ في المحطة النهائية إلى تدمير الدولة العبرية ودكّ أسسها الواهية، فها هو مجتمعها يعاني ازدواجية فصامية على أرض فلسطين تهدّد بانحلاله.


ميتافيزيقا غزة - في لاهوت الإبادة مدخلٌ إلى فهم اللحظة الفلسطينية من وجهة فلسفية، وبالتالي لهي مقاربة فكرية تنظر إلى غزة على أنها مركز ثقل كونيّ لربما يؤدي إلى إشعال فتيل صراعات لا نهاية لها ما دام أهل فلسطين خارج أرضهم التاريخية.

 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث