هل تستطيع الدولة اللبنانيّة تحمّل مسؤوليّة احتلال جديد في الجنوب، أو ربّما في البقاع؟
هل تستطيع الدولة تحمّل مسؤوليّة خراب ضاحية بيروت الجنوبيّة، وتحويلها إلى خان يونس جديدة؟
هل تستطيع الدولة تحمّل مسؤوليّة قوافل البشر الهائمين في الطرقات وعلى قوارع المدن والقرى؟
غير صحيح أنّ حزب الله وحده يتحمّل مسؤوليّة إدخال لبنان حرباً جديدةً ربّما تؤدّي إلى تفكيكه أو اندثاره. فإذا كان ثمّة «خارجون عن القانون» في هذا البلد، كيف ننتظر أن يتصرّفوا بمسؤوليّة، مغلّبين منطق الدولة على شريعة الغاب، والتعقّل على عنجهيّة قطّاع الطرق؟ يقول يسوع الناصريّ لمحاوريه: «ماذا خرجتم في البرّيّة لتنظروا»؟ هل تتوقّعون، يا سادة، أن تجدوا في البرّيّة مَن يرفل في الثياب الناعمة؟ طبعاً لا، فهؤلاء يسكنون القصور. إذا كان الأشراف لا يمكثون في البراري، كذلك لا يعلي الخارجون عن القانون سلطة القانون.
ينتج من هذا أنّ الدولة أيضاً تتحمّل المسؤوليّة: مسؤوليّة تلكّؤها إذا كانت قد تلكّأت؛ مسؤوليّة تسويفها إذا كانت قد سوّفت؛ مسؤوليّة تخاذلها إذا كانت قد تخاذلت؛ مسؤوليّة اللغو إذا كانت قد استعاضت عن اللغة باللغو؛ مسؤوليّة عدم أخذها القرار المناسب في الوقت المناسب؛ والأهمّ من هذا كلّه: مسؤوليّة تطبيق القرار بحزم ومسؤوليّة.
ثمّة مثل إنكليزيّ يقول إنّ من السهل الانتقاد بعد وقوع الأحداث. بيد أنّ هذا المثل لا يسري على الدولة في لبنان، إذ ثمّة مَن انتقد، وثمّة مَن حذّر، وثمّة مَن قرع النواقيس قبل وقوع المحظور بزمن غير يسير. وكانت الدولة، في كلّ مرّة، تخاف من أن تتحوّل إلى دولة، وتصدّق الخرافات التي كان ينشرها أعداء الدولة عن الحرب الأهليّة.
قد يكون الأهمّ من هذه الأمور جميعها أنّ الدولة مسؤولة عن الصراحة، وعن مصارحة شعبها وناسها. ربّما تكون الدولة عاجزةً فعلاً عن أن تصير دولة. ربّما تكون أضعف من أن تنزع السلاح غير الشرعيّ. ربّما تكون غير قادرة على تطهير مؤسّساتها وأجهزتها الأمنيّة والعسكريّة من زبانيّة الميليشيات وترسّبات اللادولة التي تراكمت إبّان العقود الماضية. لكنّ الدولة مطالبة بأن تقول هذه الأمور للناس، لا أن تلعب معهم لعبة «الغمّيضة». يقول رئيس الحكومة القاضي نوّاف سلام إنّ الصراحة واجب الدولة. وهو محقّ في ذلك، ولا يعلو على هذا الحقّ حقّ. كان الأجدر بالدولة، إذاً، أن تصارح الناس بعجزها إذا كانت عاجزةً فعلاً. لكنّها تركت الأسئلة أسئلةً، والغموض غموضاً، والضباب ضباباً. وما يستشعره الناس اليوم من كونهم «معلّقين» لا يتّصل بالحرب الإسرائيليّة فحسب، بل بالتباس دولتهم أيضاً.
لقد آن الأوان أن تراجع هذه الدولة سلوكها، وأن تعترف بما ارتكبته من أخطاء. غداً تنقضي الحرب، ويحلّ الزمن الآخر، كما تقول فيروز: زمن الحواضر المهدّمة والقرى المحتلّة والناس الهائمين على غير هدًى، زمن المساءلة والمراجعة وجردات الحساب، زمن الانسحابات والاستقالات والانهيارات. فهذه حرب لا تبقي ولا تذر… والهاويات التي ستتلوها قد لا توفّر أحداً.
