في زمانه، اقترن اسم الأمين العام للأمم المتحدة، الكوري الجنوبي، بان كي مون، بعبارة "أعرب عن قلقي"، إذ انحصر عمله منذ توليه منصبه العام 2007 بـ"القلق". ولكثرة قلقه، سموه "أمين عام القلق" و"سيد القلق"، ونشرت إحدى الصحف ساخرة إنفوغراف يوضح مدى استخدامه لهذه الكلمة. قبله، نذكر جميعًا المؤتمرات الصحافية التي كان يعقدها البوق الصدّامي محمد سعيد الصحاف، غداة الاحتلال الأميركي للعراق العام 2003. شغل الصحاف الرأي العام والوسط الثقافي، ليس بمجريات الأحداث والمعارك، وإنما بالمصطلحات الخاصة به، المستمدة من متحف اللغة وأرشيفها. سمّى الصحاف الأميركيين "الأوغاد" و"الطراطير"، والكلمة الأشهر والأكثر غرابة "العُلوج". وانشغل الصحافيون والكتّاب العرب بالبحث عن أصلها وفصلها. وكان الليبي معمر القذافي، على منوال الصحاف في ابتداع ألفاظ تشغل الرأي العام في البحث عن معناها....
ونصل إلى بيت القصيد، والقصد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ليس بألفاظه "المعجمية" بل السيركية، البهلوانية، وقيل أنها ألفاظ بائع، وقيل نرسيسة بلهاء. هناك مقالات كثيرة كتبت عن "لغة" ترامب في خطاباته وتصريحاته. في السابق سجلت له وسائل الاعلام يقول عن نفسه "أنا عبقري وراجح العقل جداً"، "أنا رجل لطيف صدقوني"، "أنا ذكي"، و"سأبني جدارًا. جدارًا كبيرًا وجميلًا. ضخمًا. وسأجعل المكسيك تدفع ثمنه". وبعد فشله في الحصول على جائزة نوبل للسلام بزعم إيقاف ثماني حروب، خاطب السويد قائلاً: "لأن بلدكم قرر عدم منحي نوبل لم أعد أشعر بأنني ملزم بالسلام. وبقي ترامب مغرمًا بالإدلاء بالتصريحات الركيكة، مع التهويل بألفاظ غير معتادة ونابية وعنصرية، من قاموسه الفريد المحدود والفج والتهكمي، مستخدمًا لغة جسده ورقصاته وتعبيرات وجهه لاستكمال ما قد تعوزه الكلمات، بما فى ذلك قوله: "سأصبح أعظم رئيس ينجز أهم الأعمال التي خلقها الله"! ومن أكثر الكلمات، التي استخدمها الرئيس الأميركي للتصدي لأي انتقاد موجّه له أو لإدارته، كلمة "خدعة"، وأحصى بريان ستيلتر، مقدم البرامج في شبكة "سي إن إن" الأميركية، بالتعاون مع المنتج بيتر بوميرانتسيف، عدد المرات التي استخدم فيها هذه الكلمة، نحو 250 مرة في العام 2020....
وفي المدة الأخيرة انتبهت إلى أنه يكرّر كلمة "رائع" في تصريحاته، إلى درجة الابتذال، ويتفوق بها على "قلق" بان كي مون، في السياسة والرياضة والحرب والصفقات والعلاقات العامة. فيصف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بـ"الجنرال الرائع"، وقال إنه اتخذ "قراراً رائعاً" بإرسال الحرس الوطني إلى كاليفورنيا لقمع الاضطرابات التي اندلعت بسبب حملته على المهاجرين. وقام بعمل رائع مع الحكومة في سوريا وأحبط هروب سجناء. والشرع، يقوم بعمل رائع... وباكستان تقوم بعمل رائع، و"رائع" لو تعاون مودي وخان لحل أزمة كشمير، وفنزويلا سارت الأمور معها بشكل رائع.. ونستخرج مئات الملايين من براميل النفط. ورغم الاجتماع "الرائع".. ترامب وأردوغان يفشلان في تسوية خلافاتهما. وعن تحرك الأكراد ضد إيران، يقول: "أعتقد أنه سيكون أمراً رائعاً إذا كانوا يرغبون في القيام بذلك"، وما يحدث في إيران "يمثل استعراضاً رائعاً للقوة العسكرية"، وأخيراً يقول ترامب لضيفه لاعب كرة القدم الأرجنتيني، ليونيل ميسي الذي زار البيت الأبيض: أنت رائع وموهوب وشخص عظيم.
يبدو ترامب مثل مذيع من مذيعي البرامج التلفزيونية الترفيهية الرديئة، يطلق صيحته "رائع" على كل شيء يُعرض أمامه. على الصالح والطالح، على الحرب والسلام، على الكبيرة والصغيرة، على الشاردة والواردة، وفي ذلك ضحالة سياسة ملفتة. وكان الناقد صبحي حديدي محقاً حين قال "إنّ قاموس ترامب الشخصي فقير ومحدود وركيك من جانب أوّل، لكنه من الجانب الثاني الأهمّ يعكس شخصية زعيم عصابة، "غانغستر" منفلت من كلّ عقال، ولا حدود لمفرداته التي تمزج التهديد بالوقاحة".
