تقول افتتاحية الروائي والفيلسوف الفرنسي ألبير كامو، الصادمة والأشهر عن الأمّ، في روايته "الغريب": "اليوم ماتت أمي. أو لعلها ماتت بالأمس، لا أدري".
هذه الجملة تعبّر عن العبثية وبرود المشاعر لشخصية البطل "مورسو". وتدور أحداث الرواية في الجزائر تحت الاحتلال الفرنسي، خلال ثلاثينيات القرن العشرين، وتنقسم إلى جزأين. الأول هو قصة مورسو، موظف مكتبي شاب. عندما ماتت أمه، لم يشعر بأي شيء، ولم يفهم أن المجتمع يريده أن يُبدي انفعالًا. يذهب إلى الجنازة في اليوم التالي. ثم يعود في اليوم التالي إلى البيت، ويذهب لمشاهدة الأفلام، ويقيم علاقة مع زميلة سابقة. كما يساعد قوادًا على الأخذ بالثأر من امرأة. وفي عطلة نهاية الأسبوع التالية، يذهب إلى الشاطئ مع أصدقائه. وبعد مشادَّة لسببٍ غير مفهوم "بسبب الشمس"، كما يقول في المحكمة، يقتل عربياً بخمس رصاصات.
أما الجزء الثاني من الرواية، فيتناول سجن مورسو ومحاكمته. ورغم أن محاميه توقَّع حُكمًا مخفَّفًا، يواجه ميرسو عقوبة الإعدام، ليس لجريمة قتل عربي، بل لرفضه أن يظهر حِدادًا على أمه.
وكتب كامو مقدمته للطبعة الأميركية الأولى، التي نشرت في نيويورك العام 1955، قبل عامين من منحه جائزة "نوبل الآداب": "لقد لخصت منذ فترة طويلة رواية "الغريب" بجملة بسيطة أعترف الآن بأنها كانت تحمل الكثير من المتناقضات. قلت حينها إن أي إنسان، حسب أعراف مجتمعنا، يغيب عن حضور مراسم دفن أمه، يُحكم عليه بالإعدام اجتماعياً... رغبت في أن أقول فقط بأن بطل الرواية قد حكم عليه بالإعدام ليس لأنه قتل عربياً بدم بارد، بل لأنه لم يتقن لعبة المجتمع... وفي هذا المفهوم أصبح غريباً عن المجتمع الذي يعيش بين جنباته، يتسكع على هامشه وفي حواشي حياته، وحيداً شهوانياً... ولهذا السبب، مالَ بعض النقاد الى نعته بالضال".
لا أدري لماذا حضر ألبير كامو في ذهني حين قررتُ أن أكتب شيئاً عن الحرب، ولماذا حضرت جملة مورسو بالذات. ربما بسبب العبثية التي أصابتني منذ مدة، ربما أني لا أتقن لعبة المجتمع، سواء في المآتم أو الأفراح، ولا حتى الاستحقاقات السياسية. وربّما هو تكرار الحرب وأزيز الطائرات والنزوح والتهجير، والقتل والاغتيالات والجثث المتفحمة وبيانات المقاومة، ومعمعة حصرية السلاح وغطرسة أفيخاي أدرعي، وتنجيمات ليلى عبد اللطيف وتدمير المباني والفرش على أسقف السيارات، ودموع الأطفال والأمهات وخطب نعيم قاسم وعنتريات محمد قماطي وجبران باسيل وأشرف ريفي وسمير جعجع،.. ربما جعلني هذا كله أفقد الشعور بالأشياء وأشعر باللامبالاة تجاه أي شيء سياسي أو أمني أو حتى إنساني.
لم أفتح شاشة التلفزيون لأتابع وقائع الحرب وجعدنة "النقل المباشر"، ولم أواكب تيه النازحين في الشارع. مع يقيني بأن شيئاً لن يتغير نحو الأمل، فقك ستتسع رقعة المقابر والدمار، وسيزيد خطاب الديني والغيبي...
قالت صديقة بعلبكية إنها، هذه المرة، اعتادت على أصوات الانفجارات بعدما كانت تشعر بالهلع من جدار الصوت. فقلت لها أنها أصبحت مثل مورسو، وربما مثل تمساح، "تراكم غبار الحرب على رموشي منذ اليوم الأول لولادتي".




