استئنافاً لمنشور سابق، كتبتُه في حرب الأيام الإثني عشر، حزيران 2025؛ أواصلُ ما قد يتخيّله العقلُ الجنونيّ للحرب، بمسح مدينة كاملة من الأرض، في ضربة نووية، طهران، عاصمة القاجاريين سابقاً، والإيرانيين حالياً (والتسمية في هذا الصدد، بقصد التذكير بالامتداد العميق للاسلام الشيعيّ، وسيطرته على مدن تمتدّ عروقها آلاف السنين في العقائد المتحوّلة، ونظُم الحكم المتوارثة، والحروب الدراماتيكية المهولة).
إنّ في مثل هذا التخيّل الملحميّ- وعلاقته باسم عمليات الحرب الجديدة- أثراً توراتياّ، أسطورياً، يصوّر الحرب وكأنّها قدَر حتميّ، وضرورة قصوى، بين خصمين لدودين، على أحدهما سحق الآخر وإبادته (واللفظتان سحق، إبادة، علامتان متواترتان في بيانات العملية الجديدة وتصريحات قادتها) بأيّ وسيلة ملكتْها اليد، مهما كان طولها واشتداد قبضتها على السلاح الفتاك. ولعلّها فرصة هي الأخرى، لصنّاع العصر التكنولوجي، كي يولّدوا من التواتر المجنون للمفردات وصيغ التخاطب الحربية، مصنفاتٍ عالية "الصدمة والذهول": تقارير صحفية وكتباً وثائقية وأفلاماً سينمائية، بعد خمود النسخ القديمة منها، تلك المصنوعة بخيال ما قبل الحرب الكونية الثانية.
طهران: هي المحور التالي لأخيولات العصر النوويّ، التي يجري تجريب نسختها التدميرية بأعصاب هائجة وبرامج محاكاتية، منتزَعة من الجانب المعتم لكوكب بارد- شديد البرودة- مقابل الدفء المشرق لجانب الشمس المنتصرة (بمجاز المستشرقة آن ماري شيميل عن جلال الدين الرومي). إنّها المدينة الإسلامية التي ستزيح سردياتُ "شموسها"، أخبارَ مدن عوقبت من قبل بضربات ماحقة من الكوكب البارد. لن يتحقّق التوازن الكوكبيّ- السديميّ، للعقل المحوريّ الجبار- السابح في عتمته الباردة- ما لم تُستفرغ مخازنه من السلاح المدمِّر، والخطاب العصابيّ المستهتر، إزاء بقعة شمس تحاول البقاء في حدود الممكن الإنساني- المتمرّد على محاكاة المحق والسَّحق والإبادة.
طهران: الشمس، المثنويّ الهادئ، الصمت الكونيّ ما بعد الضربة النووية، القصيدة النابعة من اسم متحوّل من جانب قديم إلى جانب حديث، تصبح موقعاً على خارطة إلكترونية، يحاول البرنامج البارد والمعتم والشاسع في جوانبه اللازمنية واللاتاريخية، تحريكَ تيجان الورد ومقامات العشق الشيرازية، ورباعيات الشعر الموحِّدة نورَ الشمس بظلام الأبدية، بعيداً عنها. طالَ أمدُ الحرب أم قصُر، فالامتداد الافتراضيّ لحرب الأسلحة الملحمية، سيتداخل والمسافة المتوالدة من موقع الشمس، حتى ما بعد انطفائه. إنّها المسافة الثابتة في تخيّل بريء- لكنّه قويّ الجاذبية- في خطاب مولود "ساعة السَّحر" واغتنام الوقت قبل أن تخطف العمرَ "كأسُ القدَر".
طهران: على خطوة من تفكيري، أنا الكاتب الذي تدرّج في معرفته على نسخة قديمة من كتاب "كليلة ودمنة"، قرأها في بقعته المشمسة على سطح داره، وما عاد بميسوره تخيّل مقابلةٍ حتمية بين خصمين لدودين، غير تلك المقابلة التي لا تخلو من الحيلة والمراوغة، ومثلهما من الحكمة، بين حيوانين معزولين عن البشر؛ ثم راح يستولد منها أسطورته الخاصة (الأسطورة البريئة من مخاتلات برنامج إلكترونيّ عملاق، يرسم هو الآخر مصيراً مظلماً لا حدود لموقعه، حيلةً لا مفكَّ لرموزها).
طهران: مدينتنا المتخيَّلة، في مسافة الرماد، ورباعيات القدَر، وحكمة الحيوان.
(*) مدونة نشرها القاص العراقي محمد خضير في فايسبوكه




