غيب الموت مايز محمود الأدهمي، رئيس تحرير جريدة الإنشاء. ولد مايز الأدهمي في منطقة الحدادين سنة 1946، وعاش مختلف محطات حياته في طرابلس، باستثناء المرحلة التي توجه فيها إلى جامعة القاهرة، حيث درس الصحافة هناك، خمس سنوات، بسبب عدم وجود كلية للصحافة حينذاك في لبنان، وتخرج سنة 1973. وكانت الصحافة في جامعة القاهرة قسمًا من كلية الآداب والعلوم الإنسانية. وقد امتلك أرشيفاً كبيراً عن تاريخ طرابلس وصالاتها السينمائية. هنا أبرز ما ورد في رثائه في صفحات الفايسبوك:
رشيد درباس
طويت صفحة الإنشاء الأخيرة، عندما لفظ مايز الأدهمي آخر أنفاسه.
لم تكن جلطة دم التي انتهكت رأسه، بل هي جلطة حبر تخثرت في دورة حياته التي صمد فيها بلا هوادة، بعدما غادر المؤسس والمعلم، لكي يبقي على تلك المنارة الصحافية التي أسسها ذلك الرائد العصامي. ربما كان جهاد مايز أكثر مشقة من جهاد الوالد، لأن الصيانة كانت في أحلك الظروف وأشدها صعوبة.
وردني النبأ، فبعثت له كعادتي معه على هاتفه رسالة صوتية قلت فيها: علاقتي بـِ"الإنشاء" بدأت منذ نلت الشهادة الابتدائية يوم أرجأ محمود الأدهمي نشر صورتي في جريدته إلى حين حصولي على الليسانس، فلما صرت محاميًا متدرجًا، أصبحت من كتّابها، وعندما كنت أتقاعس في بعض الأحيان وأتأخر في إرسال كلمتي، كان يهددني بإفراد زاوية فارغة لمقالي يكتب عليها: بقلم رشيد درباس.
كانت "الإنشاء" بناءً حبريًّا مسكونًا بالعيون والأقلام...سلام عليك يا مايز.
محسن أ. يمين
الأستاذ مايز الأدهمي: صفحة مشرقة من جهادٍ طويل
الخسارة بفقد الأستاذ مايز الأدهمي، إنّما هي خسارة مدينة بواحد من أخلص أبنائها، والصحافة المناطقيّة، واللبنانيّة، بعلم من أعلامها .
تذكرون "الطرابلسيّات"، أعداد "الإنشاء" الوثائقيّة الخاصّة. فهي تختصر حبّه لمدينته، وتعلّقه بتاريخها، ورجالاتها، وبأحيائها، ومعالمها، وأيّامها. كما كنتم شهوداً، في المدّة الأخيرة، على مغالبته للمرض، ولشتّى أنواع الصعاب التي كانت تحول دون إصدار "الإنشاء" ورقيًّا، وإصراره على استمرارها إلكترونيًّا. حفظاً للأمانة التي ظلّت في عنقه إلى آخر ما كان في مستطاع مجاهدته: أمانة الجريدة والمطبعة، ووالده الصحافيّ محمود الأدهمي، فما جنح يوماً عن الخطّ الذي رسمه له. لا في حقل الصحافة، ولا في خدمة مدينة طرابلس. وقد ظلّ يتحامل على نفسه، مُستعيناً بالعصا للوصول إلى مركز الجريدة التي سيفتَقِد إلى وقعها الزاروب المُؤدّي من ساحة الكورة إليها. ليُكمل الرسالة، وتستمرّ الشعلة مُضاءة، حتى النفس الأخير.
وقد شاءت الأقدار أن يطويه الموت في الثاني من آذار2026، كما سبق وفعلت حين انطفأ سراج صديقه الصحافيّ قبلان أنطون، في الثاني من آذار2015. قبلان أنطون الذي كان يُحاكيه، هو الآخر، برًّا بإرث والده المحامي فريد أنطون، وجريدته "صدى الشمال".
ولن أنسى، ما حييت، إنسانيّة الأستاذ مايز الحيّ الآن عند ربّه، حين استقبلني، في مكتبه، في العام 1983، وفي جُعبتي كلمة كنت قد سطَّرتها إثر العثور على وليد مشلوح عند مدخل إحدى مستشفيات الشمال. فلم يتمالك نفسه وهو يقرأها في حضوري، وتعذَّر عليه حَبْس دموعه. وقد نشرها في 19/3/1983. وكانت تحت عنوان: "يوسف، كبَصقة في سرير بارد، لا أب، لا أمّ، لا أحباب" يتحلّقون حول السرير الصغير. وكانوا، في المستشفى، قد سمّوا الولد اللّقيط، اصطلاحا.
أسـتاذ مايز، الدمعة اليوم عليك مُنتقلاً إلى رحمته تعالى.
هادي زكاك
رحل مايز الأدهمي، الذاكرة الحيّة لتاريخ طرابلس المعاصر، وقد واكبني وساعدني ودعمني بكنوزه في رحلتي الطرابلسيّة الطويلة. رحل وهو يواظب على إصدار جريدة "الإنشاء" وعلى طرح الأسئلة الموجعة فيما لا ينقطع عن التدخين. وداعاً يا صديقي! رحلت في زمن أصبحنا نحسد فيه كل من يغادرنا...
جان توما
رحل مايز الأدهميّ في الزّمن الصّعب، وقد استشرفه منذ زمن محترقًا كسيجارته، تتلوّى نارًا بين أصابعه وشفتيه. كان يطلع من الممرّ الذي يقوده من مكتبه في ساحة الكورة إلى العالم كلّه، قارئًا نهمًا ومحلّلًا وكاتبًا. هو عتيق طرابلس والمخضرم الذي تنقّل من زمن رصف الأحرف بالملقط واللوح، إلى مراقبة الرّصاص الذائب في آلة الطباعة، وصولًا إلى شاشة إلكترونيّة؛ واكبها وأتقنها، كاشفًا عن حجم الورق، وغراماته، وأنواعه، ومسارب توزيعه.
كانت جريدة " الإنشاء" ميدان فروسيته وترجمة مواقفه. وفي الوقت نفسه كانت فانوسه السحريّ الذي ورثه من والده المؤسس محمود الأدهميّ أمانة شاهدة لطرابلس ومنها لبنان كلّه والعالم، فاستطاع تثبيت ورق إنشائه بساط ريح ليجول في عالم الصحافة مؤسسًا لمرحلة توثيق للعمل المحلّي وتصويبه، فكان مكتب" الإنشاء" ملتقى المثقفين وديوان المحرّرين، على اختلاف مشاربهم وتنوّع آرائهم، فما تأفّف من نقاش، وما نأى عن قضيّة، فكانت" الإنشاء" هويّة لأقلام لم تتعب من حبّ طرابلس والبلد، ومنصّة عبّرت عن شؤون العالم وشجونه.
عاش مايز الأدهمي وجع المدينة، وتعب لبنان، وقضايا العرب وشعوب العالم، فكانت جريدة "الإنشاء" حبر الراغبين في تغيير الصورة النمطيّة للكتابة الصحافيّة الحرّة، فترى على صفحاتها كتابات المواطن اليوميّ، والصحفيّ المتخصّص، والأديب، والشّاعر، والمفكّر الجامعيّ، والطالب، والمترجم، والمهاجر، ورجال الدين على مختلف انتماءاتهم، لكأنّه كان يعرف أنّ تنوّع الأقلام يغني المحيط، طالما أنّها تغرف من المحبرة السوداء الواحدة التي تفيض نورًا كلّما خطّ عاقل محبّ كلمة، ورسم باللّغة شوقه والتزامه قضايا مدينته وبلده وعالمه، فكانت "الإنشاء" مختبر التّفاعل الفكريّ الذي عرفته طرابلس؛ باحتضانها الاختلاف لا الخلاف، النقاش لا الصراع، البناء لا التهجّم.
من مكتب والده محمود، عمل مايز الأدهميّ على إكمال مسيرة والده الصحافيّة في تخرّج العديد من العاملين في الصحافة، مستندًا في تعليم مدرسته على الجلوس في المكتب العتيق، وإن طال الحديث ارتأى متابعته على كرسيين متهالكين، كهذا العالم، في الزاروب المؤدي إلى ساحتَي؛ الكورة والنجمة، كي لا يفقد النقاش الاهتداء بالواقع ما بين محدودية كروية الأرض واتساع نجمة التاريخ والعالم.
تغيّرت أحوال العالم الصحافي، لكنّ مايز الأدهمي واكبها ولو على زعل، إذ صارت رقّة الشاشة تتخايل على رقّة الورق. تساقطت أبجديّة الحبر. لكن "مايز" كان ينظر إلى فرح السنين المتراكم وجعًا. وعرف سرَّ بقاء الورق ورقا بعد سنين لكشف هزالة العالم وضعفه، على الرغم من اختراعاته وإبداعاته العلميّة.
ابقَ "مايز" مع فانوسك وبساطك والورقْ، فالذكرى تبقى كالبخور بأطيب حالاته إن احترَقْ.
الياس خلاط
الوداع الأخير... والحديث الذي لن يكتمل
منذ عامين، في مكتبي، التُقطت هذه الصورة... لم أكن أعلم أنها ستكون الأخيرة التي توثق "حديثاً لم يكتمل". كان ذلك خلال فترة التحضير لفيلمي الوثائقي القادم، حيث كان مايز أدهمي كعادته، البوصلة والمرجع. رحل الصديق الوفي وصديق العائلة، رحل الرجل الذي وقف إلى جانبي كأخ أكبر في كل مغامراتي الطرابلسية؛ من الإنسانية إلى الثقافية، ومن التوثيقية إلى الانتخابية. لم يكن مايز مجرد صحافي يؤرخ للمدينة، بل كان سنداً وشريكاً في الحلم والقلق على هوية طرابلس.اليوم، يرحل مايز ويترك حديثنا الأخير معلقاً في الفضاء، تائهاً "بين طرابلس والإسكندرية"... رحل قبل أن يرى الفيلم النور، لكن روحه ورؤيته ستظل حاضرة في كل كادر وفي كل كلمة. في زمن التحولات الكبرى يرحل مايز بصمت وبغفلة عنا... وداعاً يا حافظ أرث "محمود الأدهمي"، سأفتقد حكمتك، وسجائرك، والأحاديث التي لا تنتهي. عزائي لعائلتك الصغيرة، ولعائلتنا الكبيرة في طرابلس.
جان هاشم
مايز الأدهمي، قلم طرابلس العريق، كان كلما التقيه يشعرني بهذا الود العميق من زمن بعيد بعيد، وبصدق الصداقة التي ورثتها عن صديقه أخي، والمحبة الراسخة من يوم دخلت فتياً مطبعته وجريدته، وكان دخولي الأول الى عالم الطباعة وصف الحروف ثم المانيفست، والتصحيح والتدقيق وإلى عالم المقالة، ثم كنت كلما التقيه في عجزه المبكر، أرى على كتفيه هموم مدينته طرابلس وأبنائها، وثقل القضايا العربية، وقضية القضايا، فلسطين، التي طبعت وجهه بتلك البسمة الودودة الحزينة، لحسرةٕ ما، ارقد بسلام أيها الصديق، وسوف نذكرك بإيمانك الصادق ومحبتك وهمك الاجتماعي والسياسي، ولعائلتك ومحبيك ولنا كل العزاء!
د. مصطفى الحلوه
وداعًا مايز الأدهمي. مَنْ بعد رحيلكَ لِـ "الانشاء" راعيًا، ومَنْ بعدك لذاكرة المدينة حافظًا؟
كان مايز ابنَ سنة واحدة، عندما أطلق والده المرحوم محمود الأدهمي جريدة الإنشاء، وهي الصحيفة السياسيّة الطرابلسيّة الوحيدة، التي رُخّص لها بالصدور يوميًّا، والتي مضى تسعة وسبعون عامًا على إصدار العدد الاوّل منها (28 تشرين أوّل 1947).
وإذا كانت جريدة "طرابلس الشام"، التي أصدرها محمد كامل البحيري، سنة 1893، ورأسَ تحريرها العلّامة الشيخ حسين الجسر، قد شكّلت باكورة الصحافة الطرابلسيّة وعلامتَها الفارقة، فإنّ "الإنشاء" شكّلت العلامة الفارقة الثانية، في تاريخ مدينتنا، على مدى ثمانية عقود، ولتغدُوَ سجّلًا أمينًا، لكلّ ما اعتمل في هذه المدينة من مجريات وأحداث ووجوه، منذ النصف الثاني، من أربعينيّات القرن العشرين، وحتى يومنا هذا.
لم يكن مايز ليعلم أنّ عبء "الإنشاء"، سيقع عليه، بعد سنوات ستّ، من تخرّجه صحافيًّا من جامعة القاهرة، حين ارتحل الوالد المؤسّس، في العام 1979، وإذا بمايز، يرعى هذا الإرث الصحافي الطرابلسي، سحابة سبع وأربعين سنة، متجاوزًا المدّة، التي أمضاها محمود الأدهمي (إثنتان وثلاثون سنة)، في مواكبة "الانشاء".
هذه السنوات السبع والأربعون كانت من أشدّ السنين دراماتيكيّة، وهولًا، في تاريخ لبنان الحديث، إذْ حفلت بأحداث جِسام، لعلّ أبرزها الحرب الأهليّة، التي مازالت قائمة، عبر عدّة أشكال وصِيَغ. وكان لمايز أن يُواجه التحدّي، بعزم وتصميم كبيرين، فأصدر "الانشاء"، بوتيرة يوميّة، بمساعدة نخبة شابّة من كُتّاب المدينة ومثقّفيها، تطوّعت، لوجه الفيحاء، كنتُ في عِدادهم، وطفقتْ "الانشاء" تصدر يوميًّا بانتظام، خلال فترة طويلة، وربح مايز التحدّي! بيد أنّ عبء "الانشاء" عاد ليُثقلُ على مايز وحيدًا، فراح يُصدرها، على مدى السنوات الماضية، مرّة كل أسبوع، ثم كل أسبوعين، ومن ثم شهريًّا، إلى حين طغيان الصحافة الالكترونية، فارتحل من الورق إلى الاصدار الرقمي، مطلع كلّ شهر، مع احتجاب، بين الفينة والفينة، لأسباب ماليّة وأوضاع صحّية. ومن أسفٍ أن "المقتدرين" الطرابلسيين لم يرعوا هذا الارث الطرابلسي، ولو بحدود دُنيا، وتركوا مايز وإنشاءه لقدرهما، فاعتلّت صحّته، واعتلّت الصحيفة باعتلاله!
علمًا أنّ مايز، قبل الثورة الالكترونية، رفض بيع "الانشاء" بمبلغ طائل، وتمسّك بها، بل قَبضَ عليها كما يقَبض المؤمن على جمر دينه!
لن أرثيك، يا صديقي مايز، فأنت ساكنٌ منّا القلب، وباقٍ في وجداننا، وإن غادرتنا بالجسد! كيف أرثيك، وأنت الطاعن حضورًا في زمن صداقتنا! لن أنساك، ما حييت، فقد شرّعتَ لي صدر صحيفتك، فكانت من لدُني مئات المقالات والدراسات والأبحاث، شأني شأن العديد من كُتّاب مدينتنا، كما وضعتَ بتصرّفي أرشيف إنشائك، لأنهل منه، بما يرفد أبحاثي، ولا سيما ما يتعلّق بطرابلس ورجالاتها.
ليس لي، صديقي مايز، إلّا أن أستمطر عليك الرحمة، ومواساة عائلتك، زوجتك العزيزة سليمة والأبناء والانسباء ومحبيك، فلهم الصبر والسلوان.
وأختمُ: يا خسارةَ طرابلس برحيلك، وقد ارتحلتْ معك إحدى الذاكرات الحيّة لمدينتنا الفيحاء.. ارتحلت، وأنت تختزن الكثير الكثير من أسرار سياسيّينا و"كبار" القوم، ولم تبُح إلا بالنزر اليسير منها! ويبقى السؤال: هل يُفرّط أهل المدينة بِـ"الإنشاء"، وأرشيفها، الذي يحوي اَلاف الصُور، كما فرّطوا بتراثهم، وبالكثير من معالم طرابلس التاريخيّة، وبما تمتلك هذه المدينة المظلومة من مرافق، ومن خاصّيات لا تتمتع بها سائر المدن اللبنانيّة؟




