عقب جلسة حكومية متوترة في قصر بعبدا، أعلنت "الدولة اللبنانية الحظر الفوري لنشاطات حزب الله الأمنية والعسكرية كافة باعتبارها خارجة عن القانون وإلزامه بتسليم سلاحِه إلى الدولة اللبنانية وحَصر عمله في المجال السياسي ضمن الأطر الدستورية والقانونية، وذلك بما يُكرّس حصرية السلاح بيد الدولة ويعزّز سيادتها الكاملة على امتداد أراضيها". وطلبت الحكومة "من الأجهزة العسكرية والأمنية كافة اتخاذ الإجراءات الفورية تنفيذاً لما ورد أعلاه".
ولم يطل الوقت حتى علّق رئيس كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب محمد رعد، معتبرًا أنّ الحكومة تعجز عن مواجهة "العدوّ الصهيونيّ الغاشم" الذي "يستبيح السيادة الوطنيّة، ويحتلّ الأرض، ويشكّل تهديدًا متواصلًا لأمن البلاد واستقرارها". وبحسبه، "لا موجب لأن يتّخذ الرئيس سلام وحكومته قراراتٍ عنتريّة ضدّ اللبنانيّين الرّافضين للاحتلال". والحال أن رد النائب رعد، العائد بعد شائعة اغتياله ومقتله، وهو المعروف برفضه المطلق لتسليم السلاح وحامل شعار "الموت ولا تسليم السلاح"، و"روحوا بلطوا البحر"، كان كافياً للقول إن الفصل بين الجناح العسكري والجناح السياسي في حزب الله مجرد وهم، وقلّة دراية بالميدان والوقائع والبيئة الحاضنة والعقلية السائدة، بغض النظر إن كانت قرارات الحكومة أم ستكون على شاكلة همروجة صخرة الروشة يوم دار الأمن الرسمي الأذن الطرشاء للقرارات المتخذة.
والحال أن "حزب الله" في نواته التأسيسية، انشق عن حركة "أمل"، يوم أراد الرئيس نبيه بري أن يكون قريباً من الدولة اللبنانية ومع مسارها في خضم الصراعات الإقليمية القائمة والتصدع المحلي. عدا عن أن عناصر حزب الله المنشقّة عن "أمل" كانت قريبة من صميم "الدعوة" الشيعية والجهادية وتحمل الراية الخمينية و"يا قدس إننا قادمون". كان تأسيس حزب الله ورعايته تأسيساً لجهاز عسكري قتالي راديكالي، على يد الحرس الثوري الإيراني الذي ارتبط به عضوياً فتلقى أوامره منه. وما بينهما ليس مجرد تحالف عاطفي، وليس مجرد دعم مادي وعسكري، فـ "الحزب"، في بنيته ووظيفته، كيان واحد، مشروعه يتجاوز لبنان. وجناحه السياسي لاحقاً بعد سنوات الحرب الأهلية، ليس سوى الأداة التي تُدخل الهيمنة الإيرانية إلى قلب النظام اللبناني ومؤسساته وبلدياته ومجلسه النيابي وحكومته. والجانب السياسي في حزب الله (النواب والوزراء والبلديات والأهالي وما شابه) وجد فيه منصة لتحصين مشروعه العسكري والأمني والقتالي، وتسويق الجهاد والحرب الدائمة، ربما ضمن منطق ميتافيزيقي.
ومقياس العمل السياسي لحزب الله هو حماية "ظهر المقاومة" و"المحور" ككل، وليس من أجل الإصلاح والعمل الوطني والاستحقاقات الدستورية والمستندات وإقامة الحدائق. وتجلى العمل السياسي لحزب الله في خدمة العمل العسكري طوال "سنوات التعطيل" بعد العام 2005، من تشكيل الحكومات إلى الانتخابات الرئاسية، بل أبعد من ذلك يوم صعد التوجه الأمني على حساب التوجه الاقتصادي في عهد الرئيس الأسبق الذي تحبه المقاومة، اميل لحود.
كل عنصر في حزب الله يتدرّب عسكرياً وجهادياً، وليس سياسياً. قبل ذلك يكون دخل في التعبئة الأيديولوجية والفكرية و"كشافة المهدي". وليست هذه المرة الأولى التي يتذاكى البعض من خلال تجريب الفصل بين الجناح العسكري والجناح السياسي. ففي العام 2008، أعلنت مصادر دبلوماسية أن وزراء الخارجية الأوروبيين قرروا الإثنين إدراج الجناح العسكري لحزب الله اللبناني الشيعي في لائحة المنظمات الإرهابية للاتحاد الاوروبي. ووزراء الخارجية في بروكسل أكدوا في الوقت نفسه "رغبتهم في مواصلة الحوار" مع كافة الأحزاب السياسية اللبنانية، بما فيها حزب الله الذي يؤدي دوراً اساسياً. ومحاولة فصل الجناحين لا تختلف عن وهم لبننة الحزب نفسه التي ذهب إليها البعض خلال السنوات الماضية، عن سذاجة حيناً وخبث أحياناً.
وتجارب الجناح العسكري والسياسي في الأحزاب تبدو عويصة، سواء حركة "حماس" أو الحزب السوري القومي، وما آلت إليه الأمور، مروراً بحزب البعث ،زمن حافظ الأسد، والذي أصابته العسكرة وعقلية الضباط والأمن، فحلّت الثكنات العسكرية محل المدارس، ورانجر الضابط علي حيدر محل أفكار ميشال عفلق. وفي التجربة اللبنانية، سبق أن كان حزب الكتائب، الذي أسسه بيار الجميل، سياسياً، وفيه جوانب من العراضة الكشفية والتنظيمية، وفي السبعينات يوم حلّ مارد مليشيا "القوات اللبنانية"، وكان الجناح العسكري لحزب الكتائب بقيادة بشير الجميل، تحول حزب الكتائب السياسي مجرد "شرابة خرج".




