"تحالف سداسي" حول الشرق الأوسط، كشف عنه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قبل وصول نظيره الهندي ناريندرا مودي إلى تل أبيب يوم الأربعاء الماضي، في زيارة ثانية له خلال أقل من عشرة أعوام. لا تقل أهمية عن سابقتها التي حصلت في العام 2017 لأول رئيس وزراء هندي يزور إسرائيل بهدف وضع أسس علاقة متميزة، حيث تبنّى عند وصوله للحكم في العام 2014 سياسة خارجية مختلفة مع دولة الاحتلال، منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية الكاملة في أوائل تسعينيات القرن الماضي. وقبل ذلك شهدت العلاقات الثنائية صعوداً وهبوطاً، ولأعوام طويلة، أُديرت بعيداً عن الأضواء، بسبب حساسيات سياسية داخلية في الهند، وعلاقاتها مع العالم العربي، وخاصة صعوبة تجاوز تراث عدم الانحياز الذي عرفته الهند في الخمسينيات خلال حكم جواهر لال نهرو، ومن بعده ابنته انديرا غاندي التي ساندت القضية الفلسطينية بقوة، وكانت على صلة متينة بالزعيم ياسر عرفات.
حرب إسرائيل على غزة كشفت عن تطورات متسارعة في العلاقات بين إسرائيل والهند وكمثال على ذلك تنامي النشاط العسكري والأمني. وجاء في تقرير لصحيفة "إنديا توداي"، أن ما لا يقل عن 400 هندي قاتلوا على الخطوط الأمامية مع الجيش الإسرائيلي خلال الأسابيع الأولى للحرب، وهم خليط بين المتطوعين الجدد وبين المستوطنين ذوي الأصول الهندية، الذين استُدعوا للخدمة من صفوف قوات الاحتياط.
يضم المحور الجديد إلى إسرائيل، الهند واليونان وقبرص، إلى جانب دول عربية وأفريقية وآسيوية لم يسمها نتنياهو، وبرر تشكيله بـِ "مصلحة كبيرة ضد المحورين الشيعي "الجريح" الذي انهار، والسني الذي يتشكل ويشمل العديد من الدول". ويرجح أن تكون الدولتان العربية والأفريقية، الإمارات وجمهورية أرض الصومال. وهذان البلدان يرتبطان بعلاقات متينة مع إسرائيل، تعود مع أبو ظبي إلى حوالي عقد، وتطورت عبر مراحل عدة حتى وصلت إلى توقيع اتفاقات إبراهام في العام 2020 الخاصة بالتطبيع. ومع الثانية لا تزال في بدايتها، وقد شكل الاعتراف الإسرائيلي بها في كانون الثاني الماضي مدخلا لتمتينها، وما يميزه أنه أول اعتراف دولي بها كسبيل لضمها الى هذا التحالف، الذي قال نتنياهو إنه يمتد من "الهند إلى كوش"، وصولاً إلى البحر الأبيض المتوسط، وكوش مملكة قديمة ظهرت في أقصى شمال السودان عام 750 قبل الميلاد، وسقطت العام 300 ميلادي.
يتجه هذا التحالف، قبل كل شيء، لمواجهة التحالف "السني قيد التشكل" وفق تعبير نتنياهو، بين السعودية، وتركيا، وباكستان، الذي جرى الإعلان عنه بين الرياض وإسلام آباد بعد أسبوع من عدوان إسرائيل على الدوحة في 9 أيلول الماضي، وفي 15 من الشهر الماضي، أعلن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، أن أنقرة تجري محادثات مع السعودية وباكستان للانضمام الى تحالف دفاعي أقامه البلدان. وقال: "تجرى حالياً محادثات ومفاوضات، لكن لم يتم توقيع أي اتفاق بعد"، مضيفاً أن "رؤية الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أوسع نطاقاً وأكثر شمولاً وتهدف إلى إنشاء منصة أكبر". وهذا ما يعني أن هناك دولاً أخرى ربما تلتحق به، ومنها سوريا ومصر.
واضح أن المصلحة المتبادلة بين إسرائيل والهند، تستند على عداوات ومخاوف استراتيجية. الهند على نزاع مفتوح مع الباكستان، وإسرائيل تتحسب لتنامي وزن السعودية وتركيا والباكستان، القوة الإسلامية النووية الوحيدة، القادرة على توفير عنصر الردع الفعلي لإسرائيل. وهنا يكمن سر استنفار تل أبيب، ومصدر مخاوفها الفعلية، وخاصة إمكانية وصول سلاح نووي أو خبرات تكنولوجية باكستانية للسعودية وتركيا، وهذا عامل استراتيجي مهم جداً وأساسي في حال نشوب نزاع واسع في الشرق الأوسط.
إلى ذلك، تعد زيارة مودي لإسرائيل مهمة جدا لجهة التوقيت والدلالات الاستراتيجية، حيث حصلت خلال لحظة مفصلية في المباحثات الأميركية الإيرانية، وقبل أيام من شن حرب أميركية إسرائيلية على إيران، تهدد أمن منطقة الخليج والشرق الأوسط، وقد وضعها بعض الخبراء في سياق تشكيل تحالفات ما بعد إيران، وطموح إسرائيل، أن تلعب دور القوة الرئيسية في الشرق الأوسط، وهنا تتجاوز الهند الحدود القائمة لعلاقاتها مع الدول العربية وايران، إلى الصف الإسرائيلي، وهو أمر يخل بالتوازن الراهن مع شركائها الاستراتيجيين التقليديين، حيث تعتمد على الطاقة القادمة من الخليج، إضافة إلى وجود عدة ملايين من الهنود العاملين هناك، والذين قد يتأثر وضعهم سلباً.
وكَون التحالف موجهاً مباشرة ضد تحول السعودية وتركيا وباكستان إلى أطراف مؤثرة في المعادلة الآسيوية، سيكون من الصعب على الهند الاحتفاظ بعلاقاتها الجيدة مع الرياض، وسوف يصب ضمن مجرى التوتر بين الهند وباكستان، ولن يفيد في تعزيز التهدئة التي عملت عليها إدارة الرئيس دونالد ترامب بينهما، بل سيزيد من الخلافات ويعيد إذكاء نار المواجهة التي تعتمل تحت الرماد، ومع ذلك يحظى التحالف بتغطية أميركية لأنه من المنظور الاستراتيجي يصب في توجهات الإدارة الأميركية لمحاصرة الصين.
تحالف عسكري يقوم على مشروع إسرائيلي لتحديث الجيش الهندي، وبناء صناعات تسليحية مشتركة، حيث تعد الهند أكبر مشتر للسلاح الإسرائيلي، ويفتح التحالف الجديد صفحة تصل الى التعاون الاستخباري، ونقل التكنولوجيا الإسرائيلية، خصوصاً في مجال تصنيع الطائرات المسيرة، ونشرت بعض المواقع الإلكترونية التي تابعت الزيارة معلومات عن صفقات تتجاوز 10 مليار دولار، ويعول الطرفان على شراكة استراتيجية، تتحول فيها الهند إلى مساهم في تطوير التكنولوجيا بما تمتلكه من قدرات متقدمة في مجال المعلوماتية والابتكار، ومن شأن ذلك أن يعزز قدرات الطرفين في الأمن السيبراني.
تحالف تجاري يستهدف تطوير التقنيات المتقدمة في الزراعة وإدارة المياه، وتمثل التجربة الإسرائيلية نموذجاً مهماً للهند في مواجهة تحديات الموارد. كما أنه يعيد إحياء مشروع نيودلهي حيفا الذي تم طرحه قبل 7 أكتوبر 2023، وتعطل بسبب الحرب على غزة، ومن بين النقاط المهمة على هذا الصعيد استقدام عمالة هندية لتعويض الفلسطينية في قطاعات البناء والزراعة.
تحالف يعيد تموضع الهند استراتيجياً، ويبعدها عن وضعية التوازن التي قامت عليها تاريخيا، وقد حاول مودي الحفاظ عليها خلال العقد الأخير، على الرغم من انتهاجه سياسات متطرفة داخلياً، ذات بعد عنصري، تعتمد على إعلاء شأن القومية الهندوسية الصاعدة بقوة على حساب المكونات الأخرى وخاصة المسلمين الذين يعانون من تمييز صريح.
زيارة مودي على صلة بملفات كثيرة، من القبة الحديدية إلى الطائرات المسيرة، لكن لا صله لها بالأخلاق. وبالرغم من المكاسب التي حققها، فإنه بدا صغيراً، حيث قامر بسمعة دولة ديموقراطية كبيرة ذات تاريخ ناصع، وتصرف كزعيم عنصري، لم تحرج ضميره حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، وهو يسير على طريق التضحية بتاريخ مديد من علاقات الصداقة والتفاهم بين العرب والهنود.




