"لا يستطيع البشر أن يفلتوا من ظلمات أنفسهم حتى وهم ينتظرون خاشعين على باب الموت"
يمكننا أن نتخيل عدداً كبيراً من الأشخاص، نساء ورجال، يقفون على حافة الحياة لكنهم لا يجرأون على النظر إلى الهاوية، لذلك يدفعون مبلغاً طائلاً لأحد آخر ليتخذ عنهم قرار القفز إلى الضفة الأخرى، على مدار 151صفحة سنعرف كيف وصل هؤلاء الأشخاص إلى الحد الفاصل بين الحياة والموت.
رواية "مصنع السحاب" الصادرة حديثاً عن دار المحروسة في مصر، هي الرواية الأخيرة للروائي والمؤرخ الألماني من أصل مصري الإشكالي حامد عبد الصمد (مواليد 1972)، صاحب رواية "وداعاً أيتها السماء" الصادرة عن "دار ميريت للنشر" وهي رواية أحدثت جلبة وقتها لجرأتها، وروايته الجديدة أيضاً "مصنع السحاب" أحدثت جلبة قبل أن تأخذ حقها من القراءة المتأنية بعدما منعت من العرض في النسخة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب، والحجة أنها تحتوي على أفكار الحادية، إحدى الحجج الجاهزة دائماً لمصادرة حرية التعبير في مجتمعاتنا التي يدعي حراسها الطهرانية بينما نظرة واحد إلى المحاكم أو إلى الاحصائيات تدحض ذلك.
الأمر المؤكد أن "مصنع السحاب" رواية جريئة مصنوعة بحرفية إبداعية عالية، تنتمي بشكل ما إلى أدب الديستوبيا، من ناحية سوداويتها، لكنها ليست سوداوية مجانية أبداً، بل ربما تكون من الأعمال الأدبية القليلة التي تتحلى إحدى طبقاتها بنوع خاص من المسؤولية تجاه النوع البشري و تجاه مسؤولية كل إنسان عن توجيه نفسه أولاً وعن مآلات مصيره في النهاية. وربما الأمر الأهم هنا كيف يمكن لهذا المصير الفردي أن يؤثر في الآخرين ويساهم في تشكيل المصير الإنساني العام. "شيء يشبه أثر الفراشة" فهي ترينا في النهاية كيف أن البشر الموزعين في بقاع جغرافية مختلفة من العالم، مرتبطون بخيوط خفية، وكيف تؤثر قراراتهم الفردية في هذا النسيج الإنساني العالمي. إنها رحلة محفوفة بالمخاطر في الوعي الإنساني الفردي الذي يبدو معزولاً في البداية ثم يتكشف ترابطه مع الوعي بالآخر .
تدور أحداث الرواية في اليابان تلك الجزر المعزولة عن العالم، وتبدأ من مكان ناء في دير معزول في جبال إحدى هذه الجزر مع طفلة يتيمة ستكبر وهي تقوم بالدور البسيط الموكل لها سيتعرض وعيها لذاتها وللآخر (الرجل، رجل الدين) وللحياة بهزات عنيفة، هذه الطفلة البسيطة التي ستصبح سيدة ناضجة ستقوم في نهاية الرواية بغرس صليبها في عنق من يدير اللعبة الكبيرة، وهي الراهبة التي لن تتخلى عن (ايمانها البسيط الخاص خلال الرواية) رغم معرفتها بالشكوك الكبيرة التي ساورت رجلها رجل الدين الصارم الذي قضى سنوات طويلة من حياته يتأرجح على حافة الخطيئة، ويتساءل عن الله وعن الإنسان، الرجل الذي شكل عالمها كله وتمحورت حياتها حوله في حياته ومماته عندما صنعت من رفاته الماسة صغيرة تزين الصليب الضخم الذي يرهق عنقها، لكنها في النهاية ستتحرر منه ومن صليبها الذي ستغرزه في عنق المدير وبالتالي ستحرر المدير بقتله ليلحق بحبيبته المنتحرة وأمه التي قضت سنوات طويلة تموت ببطء، وتحرر العالم من أحد قتلته.
والمدير هو صاحب المصنع الذي يقدم خدمات الموت الرحيم للمنتحرين، المصنع الذي تنتهي عنده حيوات عدد كبير من اليائسين الذين سنعرف قصص معظمهم أثناء جلسات الاعتراف التي يديرها صاحب المصنع، والذي تشكل شخصيته مزيجاً غرائبياً من الإنسان الشرقي والغربي المتعالي على الحياة. وستظهر خلفيته من خلال رسائله لحبيبته المنتحرة منذ عشرين عاماً، والتي يشرح فيها تاريخه الشخصي بشكل مكثف، ونفهم منها تطوره الفكري منذ إقامته في أوروبا ودراسته في جامعاتها ونضاله مع الطلاب وحبيبته العام 1968 ثم عودته للتدريس في جامعات اليابان وبعدها الزامه من قبل حكومته بالعمل في مصنع أبيه الذي لم يكن يعلم ماهية عمله، بل كان يعتقد أنه مصنعاً للسحاب عندما كان طفلاً بريئاً أثناء مراقبته للسحب في السماء فوق المصنع. لكننا سنكتشف في نهاية الرواية أنه مصنع للقنابل العنقودية التي تصدّرها اليابان إلى البلدان التي تدار فيها الصراعات والحروب ويقصف الأبرياء في العراق وفلسطين وغزة وغيرها.
هذا العمل غير الأخلاقي وغير الإنساني سيتورط فيه الأشخاص المسرنمون والقادمون من أجل الانتحار من دون معرفة منهم بذلك. إذ أنه سيطلب منهم القيام بعمل ميكانيكي روتيني لا يعرفون إلى ماذا يؤدي، لكنه سيعرض الشريط المصور الكامل لهذا العمل أمام من سيأتي دوره في الموت الرحيم، فقط وهو يموت، وبالتالي سيعرف كل منتحر دوره في عجلة القتل المدمرة التي تتدحرج حول العالم.
الاختزال إحدى ميزات الكتابة هنا. غالبية الشخصيات تاريخها الشخصي يمر باختزال شديد، لا استطرادات، يجمعها الشعور بالذنب جراء خطايا اقترفتها أو لم تقترفها بسبب ماضيها وحياتها المعطوبة. سنجد الكثير من القصص المؤثرة لماضي الشخصيات، سنجد العار والخطيئة بمعناها الأسري والأخلاقي، لا الديني فقط، واليتم والانكسارات التي تخلفها طفولة مشوهة حفرت عميقاً داخل معظم الشخصيات. لكن لحظة الوعي الفارقة التي نجدها في النهاية عند ناومي مثلاً، لحظة نادرة، تدرك فيها دورها في صناعة مصيرها وكيف يمكن للشخص أن يسمح للآخرين بالتعدي عليه وبحرف مساره نحو الانحدار، وذلك من خلال علاقتها بإتشيرو. أيضاً لدينا شخصية الروائي المتخفي بين المنتحرين بحثاً عن قصة لروايته، والذي يكتشف وجوده المدير لكنه يسمح له بالحياة بعد تقديمه للموت، وبعد أن يقنعه الروائي بإعجابه به ورغبته في تخليد قصته.
وهناك الكثير من العلاقات المعقدة والتي لا يمكن تبريرها في الحالات الطبيعية، كعلاقة صاحب المصنع بوالدته التي يرفض أن يدعها تموت إلا بعد سنوات طويلة، وعلاقته المعقدة بحبيبته كاتارينا، توأمه الفكري التي قررت الانتحار تاركةً طلابها، وبعيدة منه بعد انكسار أحلامهما ورؤيتهما للعالم، وتخليهما عن استقلاليتهما الإنسانية والفكرية والقبول بدمجهما في مؤسسات حكومتيهما الرأسمالية ورؤيتهما لانهيار أحلامهما، وتحوله هو لقاتل يدير مصنعاً للقتل، لكنه سيتحرر في النهاية بعد أن يفصل جسد والدته عن الأجهزة ويسمح لها بالموت، وبعد أن يكشف المصنع أمام العمال أي المنتحرين.
إلى حد بعيد استطاع الروائي نسج أجواء مظلمة لكنها مقنعة تماماً، من الدير المنعزل بين الغابات ومطبخه الذي يشي بروائح الحياة واللذة، إلى الجزيرة النائية التي يقع فيها المصنع، إلى المصنع وتصميمه، إلى توظيف الألوان في التعبير عن حالة الشخصيات. فلباس العمال المنتحرين عبارة عن أفرولات رمادية، ووصف الأفرول الأحمر الذي يرتديه مَن يأتي دوره للموت الرحيم وكيف يتحرك هذا اللون الأحمر بين الرمادي فيستفز الفضاء كله، إلى المشهد الأخير المهيب على شاطئ الجزيرة، حيث يقف المدير وهو يراقب القوارب وهي تحمل الأعداد الكبيرة من الأشخاص المسرنمين الذين اطلق سراحهم فجأة، حتى لحظة تقدم الراهبة وطعنها لعنقه بصليبها برمزيته لتحررها وتحريره معاً.
"مصنع السحاب" عمل روائي فكري مكثف يستحق القراءة. ليست القضايا الإيمانية هنا سوى جزء بسيط من العمل إذ أنه يحمل همّاً إنسانياً وفكرياً عميقاً، ورغم سوداويته يحمل أملاً يتكئ على وعي الإنسان بمسؤولياته تجاه نفسه وتجاه نوعه البشري.




