زئير وغضب وصدق وسِفر أستير في معركة إيران

محمد حجيريالاثنين 2026/03/02
Image-1772444582
سقوط صاروخ في مدينة بيت شيمش في إسرائيل (أ ب)
حجم الخط
مشاركة عبر

في المعركة الضارية، الإسرائيلية الأميركية التي انطلقت صباح السبت 28 شباط 2016 على الجمهورية الإسلامية الإيرانية والتي تستعمل فيها شتى أنواع الأسلحة المتطورة والثقيلة والفتاكة والطائرات الشبحية والصواريخ الباليستية والسفن العملاقة، تزدحم التسميات الدينية والاسطورية والتوراتية والعقائدية المبطنة والفجّة. كأن كل التكنولوجيا والتطور في خدمة الغيب.


سمّت إسرائيل عمليتها "زئير الأسد" بعد أن كان الاسم الأولي "درع يهوذا"، وسمّتها أميركا "الغضب الإلهي أو الملحمي"، بينما استعادت إيران تسمية سابقة "الوعد الصادق4". وإذا كانت التسمية الإيرانية الخامينئية تحمل دلالة مستوحاة من الخطاب القرآني الديني، وبدأت في الأصل من لبنان، في حرب تموز 2006، تتسم التسمية الأميركية "الغضب الإلهي أو الملحمي"(شي ما يذكرنا أيضا بتسمية "النصر الإلهي" في العام 2006) بأبعاد تتجاوز العرف العسكري التقليدي والتقني. فاستخدام مصطلح "إلهي" في الثقافة السياسية لبعض الأجنحة المحافظة في واشنطن له مغزاه ومعانيه الدينية وقيل إنه "يهدف إلى إضفاء شرعية قصوى على الضربة أو العملية". والتسمية ليست طارئة في السياسة الأميركية، بل هي من لب سياستها ورؤيتها للعالم بمنظار ديني. 

 

ينبه الصحافي لويس لافام في كتابه الأخير "الجهاد الأميركي" إلى أن الدستور الأميركي قد جرت صياغته مع الرب، وأن الأمة الاميركية إنما بُنيت بفضل الرب، وأن الرؤساء الأميركيين هم أبناء الرب، ليس للولايات المتحدة من ملك، ولها رب. وعلى هذا المنوال، يقص لافام تاريخ أميركا من خلال الرب والفعل الديني. وسبق أن كتب الفيلسوف الفرنسي الكسي دي توكفيل في 1831 أن "الدين هو أول مؤسسة سياسية للديموقراطية الأميركية". من صميم "البعد الديني"، يقول دونالد ترامب بعد عام من الرئاسة "الرب فخور جداً بعملي"، والله أعلم ما هي أعماله غير الحروب. وقبله كانت الحروب تخاض باسم محور الخير ضد محور الشر؛ أي الثنائية الدينية.

 

أما نتنياهو، فاستخدم اسم العملية "زئير الأسد" كرمز مزدوج؛ فهو يعكس من جهة القوة العسكرية المستخدمة، ومن جهة أخرى يستلهم نصوصاً دينية عبرية توراتية لتعزيز الروح المعنوية داخل الكيان الإسرائيلي. وهو امتداد للنهج التوراتي الذي اعتمدته إسرائيل في تسمية عملياتها العسكرية السابقة، مثل "عناقيد الغضب" و"عربات جدعون" و"عمود السماء". واقتبس نتنياهو من سفر النبي عاموس قائلاً: "زأر الأسد فمن لا يخاف؟"، لمنح عملية "زئير الأسد" بعداً نبوئياً، مؤكداً أن "النظام الشرير" سيسقط كما سقط هامان. هذا الاستدعاء للنص الديني يمنح القرار العسكري هالة من التفويض الإلهي. خاطب نتنياهو الإسرائيليين قائلاً: "في عملية زئير الأسد نحن نزأر. لا تخافي يا إسرائيل، فأنت شبل الأسد. سنقف كإنسان واحد بقلب واحد". ويحيي عيد "البوريم" ذكرى "خلاص" اليهود من مؤامرة الوزير هامان لإبادة الشعب اليهودي في الإمبراطورية الفارسية القديمة، كما وردت في سفر أستير بالعهد القديم. وتُعدّ أستير واحدة من أبرز الشخصيات في الذاكرة الدينية اليهودية، وغالباً ما تُقدَّم بوصفها من أعظم بطلات التاريخ اليهودي.


وربط نتنياهو بين التهديد الإيراني المعاصر والعداء الفارسي التاريخي، مؤكداً أن الصراع الحالي يتجاوز الاعتبارات الجيوسياسية التقليدية ويصل إلى مستوى وجودي. وإسرائيل، غيّرت اسم العملية من "درع يهوذا" إلى "زئير الأسد"، وأثار استبدال اسم العملية تفسيرات واسعة عبر منصات التواصل الاجتماعي، إذ رأى البعض أن التحذير الذي أطلقه رئيس الوزراء، من تأثير التسمية الأولى في مشاركة بعض شركائه الإقليميين، ومحاولة تصوير الحرب على أنها دينية، كان وراء قرار تعديل الاسم. وأشار البعض الآخر إلى أن اسم العملية السابق "درع يهوذا" لم يكن مجرد تسمية عسكرية، بل عنواناً لعقل يربط العدوان بغطاء توراتي.


و"زئير الأسد" اليوم كأنه تتمة لما لم يتم في حزيران 2025، حين سمت إسرائيل عمليتها العسكرية ضد إيران "الأسد الصاعد"، باستيحاء من التوراة، فهو مأخوذ من أحد نصوص العهد القديم، يتحدث عن "مستقبل مزدهر تنتصر فيه إسرائيل القوية". وورد التعبير في "الإصحاح 23/24": "شعب كالأسد يقوم، وكالليث يشرئب، لا ينام حتى يأكل فريسته ومن دم ضحاياه يشرب". وللأسد مكانة رمزية في التعاليم التلمودية اليهودية، ففي نبوءة بلعام بن باعوراء، وهو نبي وعراف تنبأ بقوة إسرائيل وسلطانها، شبّهها بأسد لا يهدأ حتى يشبع جوعه.


 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث