وسيم قيس في "حياكات": لقاء الخط والخيط والرؤية

سليمان بختي السبت 2026/02/28
Image-1772226754
حجم الخط
مشاركة عبر

يرسم الفنان اللبناني -الكندي وسيم قيس في معرضه "حياكات" (في غاليري ضفاف مار مخايل) ما هو أول الخط الذي يجمع الاشخاص والكائنات الهجينة والحيوانات في اسود وأبيض. واللوحة هنا لا تقف فقط على حافة الورق بل تتجلى في شكل فنّي آخر وهو حياكة السجاد بهمة جمعية "حرفة وتراث" العرسالية البقاعية. ويعني ذلك شغل يد ورشاقة أصابع وبما تحتاجه من جهد ودقة وصبر ومثابرة. وهذه الحرفة التراثية باتت شغلا في البسط والسجاد وتطويراً لصناعة السجاد التقليدي. وفي هذا المعرض نرى جسور اللقاء بين الحداثة والتراث.

Image-1772227007

لا يحاول وسيم قيس ان يجعل اللوحة مفتوحة على التفسيرات والاحتمالات الكثيرة. فهو يشتغل على وضوح الأبيض والأسود ولو تراكمت الصور واحتشدت الاجساد واختلطت المعاني. إلا أنه في لوحاته يمزج الاجسام والوجوه والقامات والحيوانات والنظرات باحتشاد تارة وبتفرّد تارة أخرى وبشكل عفوي ومترابط دائماً. كأنهم خرجوا جميعاً من عزلة واحدة أو دخلوا إليها فرادى وثنائيات. ولا يتعمد وسيم قيس أن يضيف اللون إلى اللون طالما أن الحالة هي التي تعبر. أو أن يجعل من البياض نفسه لونا مختلفاً غامراً وطافحاً ليتمدّد ويحتل مساحة اللوحة. ولكن ما يلفت في وجوه شخوصه ذلك التهدم في النظرة أو في لغة الجسد المنهزم أو في القلق المهيمن على المناخ. واللوحة تشرب من الخيط وتقتات من اللون وتتجلى في المعنى والفكرة أكثر من الخط. ولعلها تتجلّى في حياكة السجاد. هل يفتح وسيم قيس الباب نحو مشاركة أوسع لعناصر اللوحة لتصبح لوحة جدارية من قماش ومن أثير وتنسج من الخط خيطاً ومن فكرة اللوحة أفقاً مثيراً؟

Image-1772227085

وهل في اللوحة نظرات وعذابات متبادلة بين كل الكائنات التي تسعى في هذا العالم؟ أو لعلها تتراكم فوق بعضها البعض وكأنها في حال من نهاية العالم المتلاشي في الصخب والأنين بحسب الشاعر ت س اليوت. قامات ووجوه ذاهبة إلى نهاياتها ولا يخترقها شيء من الأمان أو دوام الحال بل تقف فوق بعضها كأنها في صدمة أو هول أبدي. وفي أغلب لوحاته لا يظهر الأفق لا في أعلى اللوحة ولا في جوانبها أو في ظلالها. كان البياض يغني وحده عن كل سواد وعن كل أفق محتمل. والخط عند وسيم قيس يدور على نفسه ويختلط بالوجوه والعيون المتقاربة او المنفصلة، والاجساد عارية او تقف على أرجل ضعيفة وعاجزة وواهنة.

Image-1772227232

تتكئ اللوحة على فكرتها وعلى التقشف في استخدام التقنيات. كان وسيم قيس يتأمل في ذاته والعالم والأخرين ويترك للريشة أن تدور بلا هوادة لترسم النافذة أو العظام النافرة أو العيون المائلة او كل ما يفصل الصورة عن وقائعها الحسية. 


وسيم قيس في "حياكات" يجمع صورة الانسان في ملامحه القلقة، وصورة الكائنات في المصير عينه. كأنه يستشعر الخطر على الكائنات الحية في الطبيعة والوجود وخوفها الحقيقي من خطر داهم وماثل. خطر الاندثار. خطر أن لا يبقى في هذا العالم سوى الرماد. رماد النهايات. رماد الأبيض والأسود. رماد المصائر التي تغرق في سوادها دون أن تدرك ان البياض هو خيار ممكن لعالم جديد.
 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث