"مملكة القصب": حياة أو موت في كعكة صدام

شادي لويسالسبت 2026/02/28
Image-1772263677
لميعة لا تبحث عن دواء ولا تحمل قنينة فيها سم، بل مجبرة على البحث عن مكونات كعكة عيد ميلاد صدام
حجم الخط
مشاركة عبر

بالنسبة لمشاهد ملم بالسينما المصرية، ثمة ما يربط بين فيلم "مملكة القصب" للعراقي هادي حسن (2025) وبين واحد من الكلاسيكيات المصرية، فيلم "حياة أو موت" (1954) من إخراج كمال الشيخ. 

 

نحن أمام طفلتين في مهمتين خطيرتين. في الفيلم المصري الأقدم، يصاب الأب بأزمة صحية فيرسل ابنته لشراء الدواء له، لكن الصيدلي يكتشف أنه أرتكب خطأ في تركيب الدواء ليصبح سماً قاتلاً، فيحاول بمساعدة الشرطة الوصول إلى الأب قبل أن يتناول الدواء. تنبع الإثارة من خيط التوتر المشدود بين الحياة والموت، لكن وبالتوازي تستكشف الطفلة خلال الرحلة عالم الكبار والمدينة الكبيرة، القاهرة، بأخيارها وأشرارها. 

 

في المقابل، تُسند للميعة، بطلة الفيلم العراقي ذات التسع سنوات، مهمة عمل كعكة لتلامذة صفها من أجل الاحتفال بعيد ميلاد الرئيس صدام حسين. تلك مهمة خطرة أيضاً، بل وربما أكثر خطورة، فالمدرس المتسلط يهدد تلامذته بكتابة تقرير أمني في أهاليهم، في حال بدر عنهم تقصير في أعداد مستلزمات الاحتفال بعيد ميلاد الرئيس، هنا أيضاً تقع مهمة إنقاذ حياة البالغين على الأطفال. ومثلها مثل سابقتها المصرية، تتجه لميعة مع ديكها "هندي" إلى المدينة، وذلك بعد خروجها من قريتها الصغيرة في الأهوار. تخرج أولاً بمعية جدتها، ولاحقاً تهرب منها وتلحق بزميلها سمير المسندة إليه مهمة جلب طبق من الفواكه إلى الصف لأجل الاحتفال نفسه.

Image-1772263804

لميعة لا تبحث عن دواء ولا تحمل قنينة فيها سم، بل مجبرة على التفتيش عن مكونات الكعكة. وفي العراق الخاضع للعقوبات مطلع عقد التسعينيات والمتفسخ بسبب الفساد، يتضح أن البحث عن السكر أو أربع بيضات مهمة عسيرة ومحفوفة بالمخاطر، وبالأخص بالنسبة لطفلة يتمية ومعدمة. تدور غالبية أحداث الفيلم في يوم واحد بطول رحلة البحث تلك، والتي تقابل لميعة خلالها الكثير من الأشرار والقليل من الأشخاص حسني النية. 

 

يعتمد "مملكة القصب" على عنصر المفارقة، نواجه تلك المفارقات من بداية الفيلم، التعارض بين الفقر المدقع لمنطقة الأهوار والجماليات الخلابة لطبيعتها، بجزرها الصغيرة المتناثرة وحركة القوارب وهي تمر بينها وسط غابات القصب. تلك المفارقة تتضح أكثر في البون الشاسع بين حسن سريرة لميعة وحسن، وبين بلد ينهار أخلاقياً تحت ثقل الحصار الخارجي والديكتاتورية المحلية.

في مقابل اعتماد "حياة أو موت" على السرعة المتوترة، يرتكز "مملكة القصب" على التأني في مشاهد متتابعة ببطء شجي. الخلفية السياسية للأحداث تظل بعيدة. كل حين وآخر، نرى طائرة عسكرية أميركية محلقة في السماء، وبالوتيرة نفسها نرى جنوداً مصابين. صور صدام في كل مكان، وفي معظمها يظهر مبتسماً. ثمة سخرية في المقارنة الضمنية بين المبالغة في الاحتفاء بالرئيس في الأماكن العامة، وبين البؤس الذي تواجهه لميعة وذووها. لكنها سخرية ليست معنية بالضحك، بل هي أقرب إلى التأسي.

على الأرجح لا صلة مباشرة بين الفيلمين. إلا أن اللافت للانتباه أن كلاهما معني بالسلطة بطريقتين مختلفتين. في الفيلم المصري، الذي يأتي تاريخ إنتاجه بعد عام واحد من إعلان الجمهورية في مصر، تظهر السلطة ممثلة في تدخل جهاز الشرطة المثابر لإنقاذ الأب المريض قبل أن يتناول الدواء. بعد التوتر الطويل تعيد الدولة الأمور إلى نصابها. هكذا، تكون الحياة والموت موضوعاً السلطة. في المقابل نواجه في "مملكة القصب" الصورة المعكوسة للسلطة، حيث تكون مؤسسات الدولة هي مصدر التهديد الرئيس للأبطال وأرضية التوتر الذي يشد حبكة الفيلم. من دون قصد، يرسم الخط الوهمي الذي يربط الفيلمين، تلك المفارقة الحزينة بين الطموحات والوعود التي بدأت بها الجمهوريات العربية وما وصلت إليه.

 

(*) يعرض الفيلم حالياً في دور السينما في لندن
 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث