رحل محمد حسين شمس الدين. الرجل الذي لا يثق بالكلمات التي تُقال بسرعة. لم يكن يحب الجمل الفضفاضة. عرفتُ ذلك في أسئلتي الساذجة التي لم أتوقّف يوماً عن طرحها. أذكرُ أنني سألته ذات يوم لو كان ما يعيشهُ اللبنانيون سيتوقّف ترحاله عند حدود الأزمة العابرة. لم يُجب فوراً. خفتَ صوته وهمس لي بكلمات ما يزال وقعُها إلى الآن. نحنُ أمام بلدٍ يعتاد على أزماته ويجيِّرُها إلى مسارٍ طويل.
لم يكن محمد حسين شاعراً، ولم يدّعِ ذلك، لكنّني في كلّ مرّة ألتقيه كنتُ أشعر أنّ فكرته عن البلد واجتماعه وأهله هي شعريّة. عميقة الإيمان وقريبة يقولُها بنبرة جدية كما هي. في رأسه كان يعرفُ أنّ الانشغال بهذا البلد يحتاج إلى صبر. وأنّ العلاقة الشائكة بيننا وبينه لا تنحصر في مجرّد الحماسة لفكرة.
فكرته عن لبنان التي دافع عنها طويلاً: دولة سيدة قرارها في مؤسساتها، وعلاقتها بمحيطها قائمة على المصالح بعيداً من أيّ وصاية وتبعيّة. جسّدها أبو علي في النقاشات التأسيسية لحركة 14 آذار. كان يتذكّر لي 14 آذار بمزيج من العاطفة والرضا عمّا يمكن أن يقدّم للبلد. اللحظة التاريخيّة كانت اختباراً بالنسبة له لفكرة البلد نفسه. يكتب ويتحدث، يبتعد عن التحريض ويحرص على الفكرة ويتابعها حتى آخرها. الحشود التي تجمّعت تلك اللحظة كان يعود إليها ويقول أنّها تصنع لحظة. والبلد يحتاج لهذه اللحظة وإلى إفرازات ليكمل مساره.
دائماً في لبّ النقاش. لكنه ابتعد عن أن يكون في الواجهة. يقرأ ويصوّب يكتب المسودة، يراجع المصطلحات. الحضور الهادئ الكبير في صياغة الاعتراض السياسي على منطق الوصاية. هذا نضاله من أجل بلاد تجتهد في تعريف نفسها. في تلك المرحلة، كما في ما بعدها، كان في الموقع وفي المعنى الذي شكّل سؤاله الدائم وهاجسه.
سألته ذات مرة: هل ما زال ممكناً الحديث عن دولة في لبنان؟ قال إن الدولة هنا ضعيفة، لكنها تبقى الإطار الوحيد القابل للحياة. أين البدائل وقيمتها حين تتحوّل إلى مناطق للغَلَبة. وأين الطوائف التي تمتهنُ الربحَ والخسارة. نظرَ إليها كأنّها تنتظر الانتصارات ولكنها حين تنتصر تُبالغ في ابتهاجِها، وحين تخسر ترفض الاعتراف بالهزيمة وقراءة الأخطاء والاختبارات.
كان يعرف أنّ لبنان هو نقطة في المنطقة. وحين تدخل المنطقة في مرحلة إعادة التشكيل سيناله نصيبٌ وحصّة. أدركَ أنّ البلد ذي الكيان الهش لن يكون بمأمن عن الاهتزاز. لبنان الذي يعيش دائماً على تماس تحولات لا يملك أيّ قدرة على التحكم بها. مع ذلك، كان يصرّ على أنّ مسؤولية المثقف هي التنبؤ بالكوارث وحماية معانينا من الانهيار.
الصّديقُ الذي لا يُساير. النقاش معه لم يكن سهلاً. تحدِّثهُ فيطلب الحجّة الكاملة. يسألكَ عن المصدر. يسألكَ عن تعريفك للمصطلح قبل أن يناقشك في نتيجته. صداقة أبو علي كانت في شكلٍ من أشكالها تمرينٌ على الدقة. وكأنّ الجالسَ أمامك هو الميزان.
رحلَ محمد حسين شمس الدين. الصوتُ الثابت. نخسَرُه اليوم الرجل الذي قرر أن يختار المنطقة الأصعب. منطقة السؤال. نرثيه ونتذكّر معه أنّ إصلاح البلاد الإصلاح يبدأ من اللغة والثقافة والدقّة.
رحيله يشبهه. نقيٌ لاذعٌ بصمت. الرجل الذي كان يخاف الالتباس. رحل كما عاش. بهدوءٍ بلا مساومة. بصلابة لا تعلن عن نفسها. رحلَ وتركَ لنا البلد كما هوَ. الصَّديق الذي كان يمتحنُ جملتنا. رحلَ تاركاً لنا امتحانه الأخير.




