قبل بضع سنوات كتب الروائي المصري، إبراهيم عبد المجيد: "وجدتُ صدفة في الإنترنت صفحة للراقصة المصرية يونانية الأصل بنت الإسكندرية كيتي، أو كيتي فوتساكي، فحملتني إلى أفلام كانت رقصاتها فيها بهجة الدنيا، مع بسمتها العذبة وقدراتها الأوكروباتية التي انفردت بها عن جميع الراقصات. كنا نجري وراء أفلامها ورقصها يسبقنا في الفضاء وبسمتها".
وتابع: "حين اختفت من مصر في منتصف الستينيات ذاعت إشاعات أنها تورطت في شبكة جاسوسية، لكن أحداً لم يهتم، فكيتي تعني فقط الرقص الشرقي الممتزج بالأداء الغربي والحركة التي هي أقرب لحركات الباليه. كانت كيتي تفعل ذلك كما لو أنها تلوك اللبان في فمها"، وأعادت الراقصة اليونانية، الروائي، إلى الراقصة نعيمة عاكف الأقرب شبهاً بها: "الوجه الآخر لكيتي في بسمتها وحركاتها وخفة دمها الفارقة. نعيمة عاكف بنت عائلة عاكف رواد السيرك في مصر والتي كنا نجري أيضاً وراء أفلامها نستمتع ونضحك مع رقصها وحديثها. كان رقصها أيضاً مزيجاً من الرقص الشرقي والباليه وعرفتها المهرجانات العالمية."، وعلى نحو ما، تذكر كيتي أيضاً برقص سامية جمال الذي اتسم بمساحات واسعة وبطريقة أقرب للاستعراض وحركتها كانت تشبه حركات الباليه، ومواطنتها ناديا جمال (ماريا كاريدياس) التي اشتهرت بدمجها الفريد بين الرقص الشرقي التقليدي والأساليب المعاصرة.
وما قاله الروائي عبد المجيد، يختصر شخصية كيتي التي توفيت عن عمر يناهز 96 عامًا، في منزلها بالعاصمة اليونانية أثينا، بعد حياة طويلة حافلة بالأعمال الفنية، إذ كانت من أبرز نجمات السينما المصرية في فترة الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي. وأكد الطبيب والكاتب اليوناني مانوليس تاسولاس، صديقها المقرب في سنواتها الأخيرة، خبر الوفاة.
ولدت كيتي فوتساكي في حي الإبراهيمية، بمدينة الإسكندرية في نيسان 1927، وقيل إن اسمها كاترين، وقرّر والداها إطلاق عليها لقب "كيتي" كإسم مستعار. وظهرت ملامح الموهبة لدى كيتي، منذ كان عمرها ثلاث سنوات فقط، وأرادت والدتها استثمار هذا النجاح، وقامت بتسجيلها بمدرسة لتعليم الباليه وهي في سن السادسة، كما التحقت كيتي بمدارس عديدة في الإسكندرية، أشهرها مدرسة نيكول، وكانت خلال فترة الدراسة تحرص على الاشتراك في كافة الأنشطة المدرسية بشكل خاص، وكانت تميل للمشاركة في نشاط الاستعراض، والذي وجدت نفسها مميزة به، مما جعل والديها يلتفتان إلى موهبتها.
ودرست كيتي الرقص والألعاب البهلوانية في مدرسة الرقص الكلاسيكي مع كلارا غوريلوفيتش وقدمت العديد من العروض الفنية في الإسكندرية، وعندما بلغت الثالثة عشرة من عمرها، كانت اتخذت خطوات جادة في مجال الاستعراض، فكانت أصغر راقصة تقف في المسرح اليوناني بالإسكندرية، ضمن الفرقة التي وقفت مع المغنية اليونانية صوفيا فيمبو، التي جاءت إلى مصر في جولة فنية. ورأت كيتي أنه حان الوقت لأن تختار اللون الفني المناسب لها ولموهبتها، وبالفعل قررت الالتحاق بفرقة ماري غياترا وقدمت معها عدداً لا يحصى من العروض الفنية الناجحة التي أعطتها ثقة زائدة في الالتحاق بالوسط الفني.
انتقلت كيتي مع أسرتها الى القاهرة العام 1946، واستقرت في شارع عماد الدين لتكون قرب المسارح والكازينوهات. وفي هذه الاجواء بدأت مواصلة دراستها للرقص بمدرسة البالية الروسية سونيا إيفانوفا. ودرست التمثيل في مدرسة الفنون التمثيلية للمخرج والممثل يوسف وهبي.
بديعة مصابني
وفي النصف الثاني من الاربعينيات، بدأت العمل في كازينو بديعة مصابني ملكة المسرح، وهو ما ساهم بشكل كبير في انطلاقتها الفنية الحقيقية. في البداية كانت كيتي تقدم رقصات أوروبية، ولكن بعد غياب الراقصة التي كانت تقدّم فقرة الرقص الشرقي، أرادت بديعة إعطاء كيتي فرصتها لتقدم أول رقصة شرقية بمفردها على المسرح، لتجد بديعة نفسها أمام راقصة شرقية من الدرجة الأولى. أيضاً عملت كيتي في مسارح ببا عز الدين في كازينو أوبرا الشهير، كما عملت 10 سنوات في مسرح كازينو شهرزاد بالقاهرة.
وبدأت حكاية كيتي مع السينما العام 1946، بعد أشهر قليلة من وصولها القاهرة، وبعدما شاهدها المخرج عبدالفتاح حسن في إحدى مدارس الرقص حيث كانت تدرس، فأعجب بأدائها وابتسامتها، وقرر منحها فرصة الظهور في شاشة السينما، لأداء رقصة استغرقت بضع دقائق في فيلم "الغيرة"، بطولة عقيلة راتب وبرهان صادق ومحمود المليجي، وتأليف بديع خيري، ولم تكن كيتي حينذاك قد تجاوزت الخامسة عشرة من عمرها.
وتعاونت كيتي مع المخرج والسيناريست والمنتج حسن الصيفي، خلال فترة الخمسينات، فقدمت معه مجموعة من الأعمال، مثل "ابن ذوات" و"عفريتة إسماعيل ياسين" و"الظلم حرام" و"أبو عيون جريئة"، وهو ما خلق صداقة قوية بين كيتي والصيفي، تسببت في ظهور شائعة قالت إنهما تزوجا سراً.
عندما افتتح التلفزيون المصري في العام 1960، اتجهت كيتي من السينما إلى الشاشة الصغيرة، حيث ظهرت في مسلسلات درامية، وتوقفت عن الظهور في السينما، وفي العام 1965 عادت لتظهر لآخر مرة على شاشة السينما المصرية بفيلم "العقل والمال" برفقة إسماعيل ياسين، وشاركها بطولته حسن فايق، توفيق الدقن، ومديحة كامل.
وتوقفت مسيرة كيتي في مصر فجأة في العام 1965، بعدما قرر وزير العمل محمد عبداللطيف سلامة، الشهير بأنور سلامة، إلغاء تصاريح العمل للفنانين من غير ذوي الأصول المصرية، لدعم الفنانين المحليين، فغادرت مصر التي كانت كل حياتها، عائدة إلى مسقط رأسها اليونان.
ويطارد كيتي الكثير من الشائعات الخالية من الصحة، وعلى رأسها أنها كانت تخفي أصولها اليهودية، وأن اسمها الحقيقي راشيل، وعندما تم اكتشاف حقيقتها اضطرت إلى مغادرة مصر سريعاً، وقيل حينها أنها فرت إلى الأراضي المحتلة في فلسطين وماتت هناك. أما أكثر الشائعات رواجاً فهو اتهامها بالتجسس لصالح إسرائيل وعلاقتها برفعت الجمال الشهير باسم "رأفت الهجان". واستندت هذه الروايات إلى ما ورد في مذكرات الجمال عن أول قصة حب في حياته لراقصة شابة تدعى "بيتي"، من دون أن يذكر اسمها كاملًا، ما فتح باب التكهنات حول كون المقصودة هي كيتي.
وبحسب ما نُقل عن تلك المذكرات، فإن العلاقة أثارت خلافات عائلية دفعته إلى إنهائها وترك العمل في السينما، بعد مشاركته في ثلاثة أفلام مع المخرج بشارة واكيم، قبل أن تبدأ رحلته التي عُرفت لاحقًا باختراق جهاز "الموساد".
يشار إلى أن فيلم "عفريتة إسماعيل ياسين"، تناول قصة كيتي الراقصة في ملهى ليلي، تحاك ضدها مؤامرة من مديرها المقامر بمساعدة أحد أصدقائه في سبيل قتلها للحصول على مبلغ التأمين على الحياة الخاص بها من أجل سداد ديونه المتراكمة، وبعد مقتلها تظل روحها موجودة، ويقع اختيارها على إسماعيل لكي يساعدها في العثور على قاتلها والقصاص منه، وهو ما يوقعه في سلسلة من المفارقات الكوميدية بينه وبين عائلة خطيبته.
وشاركت في بطولة العمل نخبة من أبرز الفنانين منهم، إسماعيل ياسين، كيتي، فريد شوقي، محمد كمال المصري، والعمل من تأليف أبو السعود الإبياري، وإخراج حسن الصيفي.




