في العام 1922، بعد الحرب العالمية الكبرى ببضع سنوات، نشر الشاعر والمسرحي الإنكليزي، ت.س.إليوت قصيدة "الأرض اليباب" للمرة الأولى في لندن كما في نيويورك، في مجلة "كريتيريون". يقول الناقد إبراهيم العريس في تقديمه لها إنها سرعان ما تمكّنت من غزو جمهور الشعر لتصبح عبارات فيها، مثل فاتحتها "أبريل أقسى الشهور..."، وجملة "سأريك الخوف في قبضة من غبار"، أو بيتها الأخير المكتوب بالسانسكريتية "شانتيه، شانتيه، شانتيه" (السلام، السلام، السلام)، من أشهر العبارات الشعرية المرجعية طوال القرن العشرين.
ويروي صديقٌ لإليوت أنّ القصيدة وُلدت لدى الأخير، بينما كانا يتمشيان سوياً في مقبرة، ويقرآن العبارات المكتوبة على شواهد القبور وانتهت بأن أصبحت ملحمة بعنوان "الأرض اليباب". وفي لسان العرب: "أرض يبابٌ أي خراب... أو ليس فيها أحد"، وقيل: "أرض يبابٌ: ليس بها ساكنٌ"، وفي المعجم الوسيط كذلك. فالْيَبَاب: الخراب، والخالي الذي لا شيء فيه. ولا ندري، لو جاء ت.س.إليوت ومشى بين خراب وقبور العديسة ومارون الراس ويارون وشمع، وسائر قرى وبلدات ما كان يسمى الشريط الحدودي في الجنوب، ماذا سيكتب ويقول ويروي وينشد!
ذكرني بقصيدة إليوت، قول رئيس الحكومة نواف سلام بأن "سيطرة الدولة على جنوب الليطاني، حدث تاريخي مهم، يمثل استعادة الدولة لوجودها وفرض سلطتها في المنطقة، باستثناء المناطق المحتلة من إسرائيل، في خطوة تاريخية نحو استعادة سيادة الدولة". رئيس الحكومة زار البلدات المدمرة وسط الاستقبالات والشعور بالفرح، لكن هل حقاً سيطرت الدولة على جنوب الليطاني؟
في العام 2005 احتفلنا بانسحاب الجيش السوري من لبنان، وانتبهنا سريعاً إلى أن النظام السوري كان يسيطر القرار السيادي بأدواته وبطريقة أسوأ وأوقح وأكثر إجراماً. في العام 2006، بعد حرب تموز، احتفلنا بإرسال الجيش اللبناني إلى الجنوب، تحت شعار سيطرة الدولة وتطبيق القرار 1701 ومنع العمليات العسكرية على الحدود، ثم انتبهنا سريعاً إلى أن وجود الدولة اللبنانية كان مجرد قشور، فَتَحت الأرض تحولت مدن إلى أنفاق ومستودعات أسلحة تابعة لدولة حزب الله، وفوق الأرض جيش رسمي بأسلحة خفيفة، وكانت الخاتمة "حرب الإسناد" التي لم تبقِ سنداً نستند إليه.
اليوم، بعد خسارة "الإسناد"، تحتفل أركان الدولة بسيطرتها على جنوب الليطاني، وفي الميدان كلمة سيطرة تبدو فضاضة. ما نراه في الواقع، هو انسحاب حزب الله، طبعاً بعد خسارة المعركة، والضغوط الدولية والنيران الإسرائيلية. والسلطة اللبنانية، في حقيقتها، أقرب إلى حالة صوتية، لا ناقة لها ولا جمل. أما المناطق الحدودية، فمنكوبة ومدمرة وخاوية، تحولت منازلها وأشجارها حتى بشرها إلى فتات، تفتقر إلى أبسط متطلبات الحياة والبنية التحتية، الطرق والمياه والهواتف، ووعود الدولة بالمشاريع اقتصرت على تقديم الخدمات، لا المنازل والبيوت. الخدمات التي وعدت بها الدولة تنفذها البلديات في الواقع. ومع ذلك، جاء الرد الإسرائيلي سريعاً، بمزيد من النار والدمار، مع تأكيدات أميركية يومية أن إسرائيل باقية في النقاط الخمس.
إذن، لا سيطرة حقيقة للسيادة اللبنانية. المنطقة، حتى إشعار آخر، والله أعلم، ستبقى تحت سيطرة الخراب والنار الإسرائيلية. لا أفق لإعادة الإعمار، ولا أفق لعودة المواطنين الفعلية والحياة الهادئة، والدرون ترافق أي مواطن حتى إلى زيارات القبور، وتصطاد من تشاء. عدا عن طموحات صهيونية في الاستيطان في الجنوب وبيع الأرض.
بالمختصر، "الأرض اليباب". هذا هو مشهد القرى والبلدات الأمامية في الجنوب اللبناني، على وقع طموحات إسرائيلية عالمية، من الهند إلى أرض الصومال.




