ميثاق الشرف الإعلامي وأسئلة الثقافة السورية

علي سفرالجمعة 2026/02/27
Image-1772178544
من حفل إطلاق مدونة السلوك الإعلامي في دمشق
حجم الخط
مشاركة عبر

بينما ينشغل جزء كبير من العالم بتطور خوارزميات الذكاء الاصطناعي لضبط المحتوى، يجد السوريون أنفسهم حالياً أمام سؤال أكثر بدائية وجوهرية: كيف نضبط أنفسنا، في الحوار وصناعة الخبر، والإبداع؟ هذا السؤال يصبح إشكالياً في مشهد تتداخل فيه الأدوار والمفاهيم، ويختلط الجانب القانوني بالأخلاقي والمهني! 

 

وتبعاً للوضع الراهن يصبح إطلاق وزارة الإعلام السورية، ميثاق الشرف المهني، أمراً يتجاوز حدود الوسط الإعلامي، ليصل في تضاعيفه إلى كافة المجالات التواصلية الأخرى، وفي مقدمتها الثقافة. حيث إن المضمون الأخلاقي للميثاق يبدو صالحاً لأن يحضر في عمل المثقفين أيضاً. 

 

فكرة "ميثاق الشرف" لم تكن، ومنذ ظهورها في بدايات القرن العشرين، ترفاً مهنياً أو بنوداً تُعلق في مكاتب التحرير، بل كانت محاولة لوضع مسار أخلاقي واضح لدى العاملين في المهنة. غير أنها في التجربة السورية، التي مرت بأطوار عديدة، يغلب عليها الإضراب، وأمست "خريطة أخلاقية" لبلد تاهت فيه الحدود بين الخبر والرصاصة، وبين الحقيقة والبروباغندا. فهي محاولة لتأسيس "عقد أخلاقي" في مجالٍ عام دمّره الاستقطاب، حيث لا تكتفي المعايير بالنزاهة والموضوعية، وإنما ترسّخ قيماً ثقافية أوسع، مثل احترام الكرامة الإنسانية، وحماية الذاكرة الجماعية، ورفض التنميط، وتعزيز خطاب جامع يحترم التعدد. وإذا نظرنا إلى هذه القيم من منظار أوسع، لوجدنا أنها ليست قواعد تقنية، بل رؤية ثقافية للعالم. 

Image-1772178617

تأثير الفكرة بذاتها ينتقل أيضاً إلى المجالات الثقافية أيضاً، وهنا لا يصبح الإجراء هو محور القصة، بل الأخلاق، فحيثما كانت الفوضى والتسيب، كان لا بد من البحث عما ينقّي الهواء مما يقتل الإبداع أيضاً. فقد عاش الإعلام السوري لعقود، تحت وطأة "المرجعية السلطوية". لم يكن الصحافي السوري باحثاً عن الحقيقة، بقدر ما كان "جندياً" في فيلق الولاء. في تلك الحقبة، لم يكن خرق الأسس المهنية جريمة، طالما أن "المُخترِق" يسبح بحمد السلطة. كان "ميثاق الشرف" غير المكتوب يتلخص في جملة واحدة: "الولاء قبل الأداء".

 

هذا الإرث الثقيل أرخى بظلاله على المجالات الإبداعية كافة. فما جرى في عالم الصحافة، وجد نظائره في الثقافة الإبداعية كالسينما والمسرح والتشكيل والموسيقى والكتابة والنشر، وكذلك في صناعة الدراما التلفزيونية، وبما يشكل مشهداً واحداً، كان لا بد لثورة 2011 أن تلحظه ضمن مشروع التغيير المأمول.

 

أولى المحاولات لكتابة وثيقة أخلاقية تحمل عنوان ميثاق الشرف، بدأت حين مع ولادة "الإعلام البديل" من رحم التظاهرات. فجأة، وجد ناشطون أنفسهم يحملون كاميرات وهواتف ذكية، ليغطوا المجازر الدموية وهجمات السلاح الكيماوي، من دون أن يمروا يوماً بمدرجات كليات الإعلام. هؤلاء "المواطنون الصحافيون" أتوا بفطرة نضالية، لكنها افتقرت أحياناً إلى الضوابط التي تحول دون انزلاق التغطية إلى "استثمار في الألم". ومن هنا نبعت الحاجة الملحّة إلى المواثيق؛ إذ جاءت استجابةً ضرورية لتنقية الهواء الذي كاد يقتل الإبداع والمهنية معاً تحت ضغط الدم والبارود.

Image-1772178680

الميثاق، في جوهره، ومن خلال الأسئلة التي طرحها هؤلاء في جلسات النقاش حول أخلاقيات العمل، يعيد تعريف "اللغة". حين يضع "الكرامة الإنسانية" في المركز، فإنه يتجاوز إضافة بند تقني إلى طرح سؤال حارق على كل إعلامي: ماذا لو كانت معلومتك صحيحة لكنها تقتل صاحبها؟ هنا ينتقل المعيار من "صحة المعلومة" إلى "أثرها في الإنسان". هذا التحول يتجسد في الفرق بين مصوّر يقتحم خصوصية أمٍّ مفجوعة بجثة طفلها سعياً وراء "تفاعل"، وصحافي يصون حُرمة الموت.

 

التركيز على "حماية الذاكرة الجماعية" يفتح جرحاً ثقافياً يتجاوز الإعلام، ليصل إلى الأدب والفن. فالذاكرة السورية اليوم مادة سردية مشتعلة وقابلة للتأويل. وحين يُلزم الميثاق الإعلاميين بعدم تمجيد الجناة، فإنه يبني "سداً أخلاقياً" يحول دون كتابة التاريخ بدم الضحايا. هذا الالتزام يصون الضحايا من إعادة إنتاج الإهانة، ويؤسس لإطار أخلاقي في التعامل مع الماضي، يمتد تلقائياً إلى السيناريو والرواية واللوحة التشكيلية.

 

وهنا تكمن العقدة. فالنص يرتبط دائماً بكاتبه. والثقافة السورية، التي خبرت طويلاً علاقة غير متكافئة مع السلطة، تميل إلى قراءة الوثائق الرسمية بحذر شديد. لذلك، حين تبنّت وزارة الإعلام الميثاق، برزت تساؤلات حول طبيعته وحدوده: أهو تعبير عن التزام أخلاقي جامع؟ أم إطار ضبط جديد بأسماء لامعة؟

 

الإشكالية لا تتمثل في البنود المتعلقة بالسلم الأهلي ورفض خطاب الكراهية، وإنما في موقع السلطة التي تعلنها. فالصحافي الذي عاش تجربة "مقص الرقيب" لسنوات، يتوجس من تحوّل مفردات مثل "اللُّحمة الوطنية" أو "المسؤولية الاجتماعية" إلى أدوات تضييق على النقد السياسي. جوهر المسألة يكمن في بناء الثقة، فالميثاق الصادر عن القاعدة المهنية يُفهم بوصفه حماية للحرية، بينما يُقرأ الميثاق الصادر من أعلى بوصفه آلية ضبط.

 

تجلّى أثر فكرة الميثاق باكراً في أوساط كتّاب السيناريو. فقد شكّل اجتماعهم العام 2020 لصياغة ميثاق أخلاقي خاص بهم، تعبيراً عن تململ من فوضى شركات الإنتاج التي تتعامل مع المنتج الفني كسلعة استهلاكية، ومع الكاتب كمنفِّذ لمتطلبات السوق والمموِّل، في بيئة شهدت ممارسات أضرّت بالعلاقات المهنية وبأخلاقيات الكتابة. هذا الوعي الذاتي يمكن وصفه بـ"ثقافة الانتباه"، أي إدراك أن حرية التعبير تقترن بالمسؤولية. فرفض التنميط وخطاب الكراهية في الدراما، يمثل ممارسة أخلاقية تعيد تهذيب الذائقة العامة. وعندما تكفّ الدراما عن اختزال المرأة السورية في صورة الضحية المستسلمة أو التابعة، وحين تتخلى عن تنميط سكان العشوائيات بوصفهم "بلطجية"، فإنها تسهم في إعادة تشكيل نظرة المجتمع إلى ذاته.

 

ومن أكثر البنود حيوية، ما يتعلق بالفئات الهشة: الأطفال، النساء، ذوي الإعاقة. هنا يتحقق الانتقال من الحياد البارد إلى العدالة التمثيلية. فمواجهة "استثمار الألم" تعني ثقافياً ترسيخ مبدأ صون الكرامة حتى في لحظات الفضيحة أو الصدمة. ومع ترسخ هذا المبدأ، تتبدل طريقة استهلاك الصورة. يصبح المشاهد شريكاً في الميثاق، ويتبنى حساسية أعلى تجاه الإثارة الرخيصة القائمة على استغلال المعاناة. وهكذا يتحول الميثاق من إطار مهني إلى وعي مجتمعي يعيد ترتيب أولويات المجال العام، من صراع السرديات إلى صون الإنسان.

 

في المشهد الراهن، يدرك إعلاميون خبروا إشكالات المهنة أن ميثاق الشرف الإعلامي يشكل بداية حوار يعكس تحولاً نحو مركزية الإنسان. غير أن أسلوب التعاطي معه يظل محور الإشكال، إذ قد ينزلق إلى معيار إقصائي إذا احتكرت جهة واحدة تفسيره. كما أن التحدي الذي يواجه المشتغلين في المجالات الإبداعية، يتمثل في تحقيق توازن دقيق بين حماية السلم الأهلي من خطاب الكراهية، وصون حيوية المخيلة وقدرتها على مساءلة المسلَّمات. الأمر الذي يقود إلى الاستنتاج بأن الميثاق جزء من حوار الثقافة مع ذاتها، وكلما بقي هذا الحوار مفتوحاً ومستقلاً عن وصاية السلطة، حافظ على مرونته وارتقى مع نمو الوعي بالحرية والمسؤولية.

 

 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث