محمد خضير: "جبل قاف" الإسم الأقدم لجبل الحواسيب

المدن - ثقافةالخميس 2026/02/26
Image-1772098102
من كتاب "منطق الطير"
حجم الخط
مشاركة عبر

(على هامش ليلة رمضانية، في رابطة مصطفى جمال الدين، أحياها الصديق باسم القطراني)


أحد تعريفات هذا التطبيق الحاسوبي، أنه برنامج يعيد بيانات المستخدمين حول العالم، بشتى اللغات، إليهم، كي ينتفعوا منها على وجه من الوجوه، هو الاحسن والأكمل. وبهذا المعنى: الذكاء الاصطناعي هو نحن، فقد يكون هذا النظام الحاسوبي الفائق، مرآةً تعكس الذوات التي يمسك حاسوبٌ عملاق بصورها الجليّة. وليس هذا الاختراع بأذكى من اختراع فريد الدين العطار الذي أرسل ثلاثين طيراً في سرب محلِّق  إلى جبل قاف (المجبول من حجر كريم، يعكس الصورَ كالمرآة) وحال وصول الطيور، رأت ذواتها الثلاثين وقد اتحدت في صورة طائر عملاق هو"السَّيمُرغ" الذي يعني ثلاثين طيراّ. 


 ما من اختراع علمي مصطنَع إلا صورة/ انعكاس من مرآة الذهن البشري الذي اصطنع لذاته صورةً مثالية بمسمى "الإنسان الكامل". فإذا انطبقت الصورتان خدمَ العلمُ العقلَ البشري، وظهرت عليه/ ومنه علائمُ الذكاء وعبقرية الاصطناع، حسبما جاء في  المبدأ القديم "وحدة الوجود". فالصناعة في العلم تتجلّى في المصنوع، كما يتجلّى العقلُ الأول في فيضه من العقول الدنيا، وكلّ منها عقلٌ فعّال في موقعه ومرتبته، بحسب نظرية الفارابي. فإذا كيّفنا تدرّجَ/ انعكاسَ العقول الفيّاضة، إلى نوع من الروابط الخوارزمية، حصلتْ عندنا انتباهة/ صدمةُ المعرفة، ووحدةُ الذوات المتشاركة في فضاء "جبل قاف" المفترَض عند حافة الوجود القصوى.


 وإذا كيّفنا هذا المفهوم الفلسفي- الباطني ووصلنا به درجة الذكاء الاصطناعي AI، فقد نجد قابليةَ التبادل الفائق للمعلومات ذاتَ أصل بعيد في التآليف الكبرى التي حصلتْ لدى "مستعملين" عاشوا قبل لحظة الإقرار هذه. ونعني بذلك الذكاء البشري الموحى من عقل كونيّ لا مركز له، وقد تجلّى فيضُه في مؤلفات عظمى كالفتوحات المكية لابن عربي، والمثنوي لجلال الدين الرومي، ومنطق الطير للعطار. وكلّ منها صورة لذاتٍ متوحّدة بصورة "جبل قاف"- الاسم الأقدم لجبل عصر الحواسيب. 


 أما إذا تواضعنا، وجئنا إلى محصولات معرفية، أقل شأناً من التعريفات المنعكسة في المرآة الكونية الجبارة، أي انتقلنا من مبدأ وحدة الوجود إلى مبدأ التعالق بين الصور والنصوص، المسمّى حديثاً بالتناصّ- وليس هذا بأقلّ عظمة من مبدأ وحدة الوجود- فقد نجد للذكاء الاصطناعي دخلاً في هذا المسمّى، نظراً لخاصية إعادة إنتاج المعلومات التي يتصف بها هذا العملاق الحاسوبي، ويَهبُها إلى عقل أقلّ منه تصنيفاً- معرفياّ ولغوياّ. أضِفْ إلى ذلك فضلَ العقل الحاسوبي في إنتاج ما يُعرف في نظرياتنا النقدية الحديثة بالنصوص الترابطية أو التفاعلية، وتلك الأخرى التي تتوق إلى كسر الحدود الأجناسية، والعبور بين وديان السفر والترحال التي صوّرها العطار بمنطقه البشري الذكي، المستوحى من رحلة الطيور الثلاثين. 


سنغضّ الطرف عن روايات الخيال العلمي، وفانتازيات الروائيين- مفرطي الذكاء، من أمثال جون تولكين ودان براون وهاروكي موراكامي، هذه التي وصلت إلى ما حقّقه انعكاسُ "جبل قاف" في مرآته الجليّة، وبرهنت على وحدة الذكاءين البشري والاصطناعي في تطبيق جبار بمتخيلاته وعجائبه؛ ولربما سنجتاز الحدَّ الأخير من جبروت العملاق الخوارزمي AI، حين نتذكر صيحة الكاتب المسرحي إدوارد ألبي وهو يؤلف مسرحية: من يخاف فيرجينيا وولف؟

 

(*) مدونة نشرها القاص العراقي محمد حضير في فايسبوكه


 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث