المعرض الذي اقامته "غاليري شريف تابت" للفنان حسين حسين إتخذ عنوان "من الطبيعة، من الإنسان"، وقد ضم مجموعة من الأعمال ذات أحجام مختلفة، كبيرة ومتوسطة. أما المواد المستعملة في تنفيذ لوحات المعرض فهي ذات تنوّع واضح، تبعاً لطريقة الفنان التي تعتمد تقنيات مختلطة، وكنا رأينا نماذجاً من هذا الأسلوب في التعاطي مع المساحة التشكيلية في معارض سابقة.
هذه التقنيات، التي لجأ إليه حسين، والتي يقوم بتطويرها من معرض إلى آخر، قد يكون من المناسب أن تتقدم الحديث عما رأيناه في غاليري شريف تابت، وذلك نظراً لعنايته بهذه الناحية، ونظراً، أيضاً، للموقع الذي تحتلّه في عملية تقديم العمل الفني على النحو الذي يختلف من صانع إلى آخر. فالعمل الفني يتطلّب طبقات متعددة، عندما تقتضي الحاجة، تتشابك فيها عناصر ورسائل ضمنية، تنبع أحيانًا من التقنية أو الأسلوب، وأحيانًا من الخيال أو المثالية، كما من المجاز أو التمثيل الحرفي. قد تكون هذه العناصر والرسائل واضحة، مثل الكلب الذي رسمه الفنان الفلمنكي جاكوب يوردانس والذي يبدو وكأنه يمتلك أذنًا إضافية، أو قد تكون دقيقة لدرجة أن اكتشافها يعتمد كليًا على خبرة الباحثين والإمكانيات التي توفرها التكنولوجيا المتقدمة. إذ يُكتشف، أحياناً، قصد الفنان ومنهجه من خلال ملاحظة ما يكمن وراء السطح.
إلى ذلك، لا يغيب الرسم عن أعمال حسين، وقد يرتدي أهمية خاصة في بعض الأحيان، علماً أن الأعمال بعيدة من الإستعراض أو الخطاب المباشر، إذ اعتُبر الرسم، في دلالاته شديدة الواقعية، مدخلاً إلى الخطاب المباشر، من دون تورية، وهو ما لا نلحظه في أعمال الفنان. في هذا المجال، يمكن أن نذكر أنه من كتاب "تأملات نقدية" للدبلوماسي والمؤرخ الفرنسي الأب جان باتيست دوبوس، إلى "لاوكون" للكاتب والناقد الألماني إفريم ليسينغ، نشأ تيار فكري كامل عرّف الفن لا كتقليد بل كتعبير. هذا ما دفع المنظرين إلى تحديد نطاق كل شكل فني، وطرائقه، وإمكانياته التعبيرية، فأصبحت نظرية الرسم جاهزة للإستقلال.
لكن بعض رسامي ذلك العصر رفضوا هذا التحول، إذ هدد بتقويض الجهود المبذولة على مدى قرنين من الزمن لتأمين مكانة فكرية للرسم تضاهي مكانة الشعر، ومكانة اجتماعية للرسام تضاهي مكانة الشاعر. وإلى هذه الأسباب الاجتماعية، أُضيفت دوافع جمالية ونفسية: فالاستعانة بنبل "الأنواع الكبرى"، والتركيز على تفوق "المثالي" على "الصنع"، والميل الناشئ إلى العاطفة "السامية"، كلها أمور أظهرت المأزق الذي وصلت إليه الفنون الزخرفية، البعيدة من أعمال حسين، التي صارت عاجزة أمام السعي إلى التعبير الحر.
الأعمال المعروضة لا تفرض معنى، بل تسمح له بأن يتشكّل تدريجياً من خلال المادة واللون، وما بين المرئي والمحسوس. فالطبيعة لدى الفنان ليست منظراً طبيعياً تقليدياً، بل هي كل ما يحيط بنا ويصبح غير مرئي بفعل الإلفة: الأشياء، الآثار، وبقايا التدخّل الإنساني، على ما يفيد حسين. وإذ يُعرَّف الإنسان المعاصر بعلاقته بإنسان الماضي، وبصلته بعالمين يُمثِّل فيهما حلقة الوصل ومركزهما: الطبيعة والتاريخ، فإن أسمى ثناءٍ للفنان هو أن يُضاهي الطبيعة أو يتجاوزها. هذه الصيغة عامةٌ وغامضةٌ لدرجة أنها تنطبق على أكثر الأساليب تنوعًا. فهي تُبرز التأثير الوهمي الذي يدفع المرء إلى تشبيه اللوحة بالمرآة، أو التعريف الواضح لنمطٍ ما، أو الإلتزام بقوانين الانسجام الكونية؛ ولا تستبعد اللجوء إلى الأشكال الخيالية، التي قد تكون أكثر دلالةً من موضوعات التجربة، والتي منحها أرسطو "للشاعر"، أي حرية التعبير.
هذا الأمر نلحظه في أعمال حسين، فما يبدو عادياً يكشف، عند التأمل، اختلالاً صامتاً أصبح جزءاً من حياتنا اليومية. أضف إلى ذلك، أن الإشارة إلى الطبيعة تصبح وسيلةٌ لدعم الطموحات الكونية للفن: ومن هنا جاء مصير بعض العقول، التي تحرص على عدم إفقار مفهوم الفن، إستناداً إلى مقولة الفيلسوف اليوناني لوسيوس فلافيوس فيلوستراطوس، التي تُعرِّف الرسم بأنه محاكاة، أي فن تقليد الطبيعة. لكن هذه المقولة تبدلت، وجرى تخطيها مع تطور الفكر الإنساني حول الفن، بعدما تم إدراك وجود تناقض بين المطالبة بالشمولية المتأصلة في المحاكاة، والاعتراف بالقدرة الفردية على الإبداع، الذي هو تعبير عن براعة كل فنان الخاصة في عمله.
وإذ نرصد الحضور الإنساني في أعمال حسين، فلا بد من الإشارة إلى أن هذا الحضور لا يهيمن على المشهد، بل يندمج معه، وهو يظهر كأثر أو ظل أو ذاكرة، ثم يتلاشى داخل النسيج البصري، نظراً لطبيعته الهلامية المقصودة. هذا الامتزاج يعكس قدرة الإنسان على التكيّف مع الأزمات حتى تصبح طبيعية داخلياً ونفسياً، والأمثلة على هذه الرؤيا حاضرة أمام أعيننا في حياتنا العملية، الغارقة في الأزمات. إنطلاقًا من هذا النوع من الإستيعاب البصري، يهدف الفنان إلى إعادة صوغ مفهوم الحضور الإنساني من حيث كونه حضوراً متأرجحاً بين الواقع والمتخيّل. هذا الأمر يتم من خلال مراعاة البُعد الرمزي للوحة، كما من خلال اللون، الذي يلعب دوراً محورياً، كمساحة تنفّس داخل الكثافة، حاملاً أملاً هادئاً لا يَعِد بالخلاص، بل بالإستمرار، حيث تتزامن تفسيرات العناصر "المادية" مع ابتكار الأشياء التي تُصوَّر بطريقة معينة دون غيرها. أما كيف تتناسب التقنية المستعملة مع عملية تحديد طبيعة الأشياء في أحوالها المتبدلة، فإن اللوحات تعتمد، من حيث بنيتها، على التراكم والتآكل وإعادة البناء، حيث تحمل الأسطح آثار الزمن والتكرار.
وإذ نتساءل إذا ما كان للمجتمع والثقافة دور في تصور الأشياء لدى حسين، أم أن الرؤية، أو الحالة النفسية الذاتية تأتي في المقام الأول، فيبدو "أن كلا المنظورين مشروعان؛ إذ يشير تزامنهما وتعايشهما إلى حقائق بديهية غالبًا ما تُهمل"، على ما يقول المنظّر والكاتب الفرنسي فرانسوا فينيلون. وفي الحالات كلّها، فإن الأعمال "لا تواجه المشاهد في شكل مباشر، بل تدعوه إلى التأمل، حيث يتشكّل المعنى مما نراه ببطء، لا مما يُفرض علينا"، كما يقول حسين حسين.




