أجساد آني كوركجيان...الإيروتيكية التي تُخالف المتعة

فوزي ذبيانالثلاثاء 2026/02/24
Image-1771937833
كل جسد من أجسادها يستبطن السعي المهلك لأن يكون تلك الغرفة التي تخص المرء وحده
حجم الخط
مشاركة عبر

لا يمكن كبح جماح الكلمات إزاء النظر إلى لوحات آني كوركجيان المعروضة في LT غاليري في محلة مار مخايل الجميزة (يستمر المعرض لغاية 26 شباط)، فإذا بمتلقي هذه الأعمال محل صراع بين تخاطف النظرات إليها من جهة وفيض الكلمات التي تثيرها هذه الأعمال في الذهن من جهة أخرى. 

 

تخبرنا الباحثة الفرنسية مارينا ياغيلو في كتابها "الكلمات والنساء" (منشورات المركز الثقافي العربي، ترجمة سعيد بنكراد) أن اللغة ليست كلاً منسجماً مكتفياً بذاته، وهي – أي اللغة – وإن كانت أداة تواصل فهي أيضاً أَداة رقابة وعنف وكذب واحتقار وقمع وأداة متعة ولذة ولعب وتحدّ على حدّ سواء. فاللغة – كما تبثنا مارينا ياغيلو – هي بالإجمال عبارة عن نظام رمزي لا يمكن فصله عن العلاقات الاجتماعية وأيضاً عن المسكوت عنه في المجتمع وعن المحاذير وعن ضروب الصمت والجهر في آن. ليست أجساد آني كوركجيان كما تبثها في أعمالها تلك مجرد خطوط وألوان وأشكال لكنها بالعمق تلك اللغة التي تجيد الجهر والصمت، هي أشكال أقرب إلى المعجم الجسدي الذي يؤسس لمشهد لا يأبه بالتصورات أو بالتعريفات السائدة عن الجسد بشكل عام.

Image-1771938173

قد لا تستسيغ الأجساد المعروضة في الغاليري كل الصياغات القولية التي يراد عبرها مقاربة هذه الأجساد، ومع هذا ترى هذه الأجساد تستنفر بقوة ليس فقط النظرات إنما أيضاً الذهن، وذلك بسبب ما يحتشد داخل هذا الذهن لدى التمعن فيها من عجقة كلمات. يخبرنا الفنان السويسري-الألماني، بول كلي، في عبارة شهيرة "أن الفن لا ينتج المرئي، لكنه يجعل الأشياء مرئية". ربما أجساد آني كوركجيان في جل مضامينها هي صدى لعبارته تلك. فحتى الإيروتيكية الفجة، كما صير إلى بثّها من قبل كوركجيان، تخرج عن نطاق اللذة المعهودة لنكون مع هذه الأعمال حيال إيروتيكية تجسّد كل ما يخالف المتعة، وكأننا إزاء نص بصري يريد إخبارنا أن الملل والبلادة والشرود والتثاؤب النعس، هي الشروط الأولية للجسد في هذا العالم حتى إبان ما يجب أن يكون فعل متعة بامتياز. 


ليس من السهولة بمكان أن يكون الجسد نصاً، أن يلهث بتعابير تجافي بكل صراحة ووضوح بداهة اللذة المتأتية عن الفعل الجنسي. يتكلم الروائي ميلان كونديرا في إحدى رواياته عن تلك الإيروتيكية الميكانيكية التي تعكس حقيقة العلاقة بين الإنسان وشكل العالم الحديث. فالجسد في هذا السياق هو رمز مضاد لكل ضروب الشهوة الجسدية وهي مفارقة تتجسّد بوضوح في إيروتيكيات لوحات آني. إن الجسد في كل تلك اللوحات هو أقرب إلى ذلك النص المأتمي الذي يعكس نص العالم، كل العالم، في علاقاته مع الجسد وهو ما يجيز لي كمتلق لهذه الأعمال، التشديد على القول أن استباحة لوحات كوركجيان للنظر توازيها استباحة هذه اللوحات للكلمات...لتلك الكلمات التي تحاول فهم العالم، والوقوف على علاقة  تقوم بين يوميات العالم الصاخب والهشاشة المدوية للأجساد. فأن يكون الانضباط هو سيّد اللعبة الإيروتيكية، والوجه المتلعثم هو الوجه الجلي لهذه اللعبة، وأن تكون الميكانيكية هي العنوان الأبرز لسائر حركات الجسد الإيروتيكي، فنحن إذن إزاء شكل ممض للعالم مبثوث داخل تفاصيل الجسد، نحن إزاء كلمات تحيك الجسد بإبرة هذا العالم العابق بكل ضروب الضجر وشياطين الحيرة وعدم الاستقرار. 

Image-1771937459

لا تشي أجساد كوركجيان بأنها محلّ جهد حثيث بغية الاستحواذ على دلالات تغني حضورها في العالم. فهي في الواقع أجساد تصف بصراحة حقيقة العالم، وليست الكلمات التي تثيرها هذه الأجساد إلا محاولة لبلورة العبارة المناسبة لهذا المأزق، مأزق الجسد في العالم. وربما – فلسفياً - ميرلو بونتي من أبرز من حاولوا تقديم الجواب لأسباب هذا المأزق في phenomenology of perception  لكنه جواب لم يفلح في جعل الجسد يتنفس الصعداء كما ترى جملة من المفكرين ممن ناقشوا هذا الكتاب، وعذراً لهذا الاستطراد الذي لم يكن لي مهرب منه وقد ساقتني إليه لوحات آني بكل دقة واتّقان...ولنعد إلى آني وأجسادها البليدة إنما الصاخبة إلى حدّ الهذيان.


ليس من المفاجئ بإطلاق أن تتلبّس وجوه أشخاص كوركجيان ملامح تشي بتقطّع الأنفاس ونظرات تحاول الفرار وشرود بائس فضلاً عن تلك الإيروتيكيات التي تكاد أن تكون محض آلات بحاجة إلى النفط والنزين والغاز وربما الكهرباء. فعلى الرغم من الوجاهة التاريخية للكلمات، فإن للجسد لغته الخاصة التي تأبى الانصياع إلى معجم كلمات ألسنتنا، وليس فيض الكلمات الذي تدفعني إليه لوحات آني كوركجيان إلا مجرد محاولة لإلقاء القبض على الحدّ الأدنى مما يراد قوله عبر هذه الأجساد.

Image-1771937293

إن الرغبة في تملّك سردية خاصة للجسد تقع في باب السذاجة كما أظن، أو ترى هذه الرغبة تقع – بأحسن الأحوال – في باب متعة البحث، مجرد البحث. وفي هذا السياق تحديداً ليست أظافر ناس كوركجيان أو التواءات خصورهم أو ارتخاء شفاههم أو شعر العانات أو غيرها من التفاصيل، ليست مجرد تصويرات بصرية تخضع لسطوة هذا القراءة أو تلك، بل هي بمثابة كلمات سرية، كلمات تأتي مواربة لكنها تصرّح بحقيقة ترانا حيالها غرباء، مجرد غرباء عن أجسادنا. وأراني في هذه النقطة تحديداً محل رغبة لاستعارة عنوان كتاب شهير لصاحبة أكثر الأجساد غموضاً وغربة عن العالم (وصولاً إلى الانتحار)، أقصد الكاتبة الإنكليزية فرجينيا وولف. ربما الجسد في نهايته القصوى هو تلك "الغرفة التي تخص المرء وحده" حسب عنوان كتاب وولف. وهي واقعة أرى أن آني كوركجيان قد بلورتها في كل لوحة من لوحاتها، بصرف النظر عما إذا كانت تلك اللوحة تحوي جسداً واحداً أو أجساداً عديدة. فكل جسد من أجسادها يستبطن ذلك السعي المهلك لأن يكون تلك الغرفة التي تخص المرء وحده...إنما هو سعي لا طائل منه.

Image-1771937039

يفتتح الثنائي جون روب وأوليفر هاريس، الكتاب الموسوعي "تاريخ الجسد" بالقول: "نادراً ما يمر يوم في العالم (...) من دون الإعلان عن أزمة في الجسد. هناك احتمالات جديدة ورائعة ومقلقة ومرعبة تمطرنا كل يوم" (تاريخ الجسد – تحرير جون روب وأوليفر هاريس، ترجمة جمال شرف، منشورات الرافدين). لا يحفل هذا الكتاب الضخم بجل الأجوبة التي حاولت فك ألغاز الجسد، سواء تلك الأجوبة المباركة أو اللاعنة، الأجوبة التي تحتفي بالجسد أو تخجل منه. ذلك أن التاريخ الغامض للجسد هو التاريخ الحاضر بعينه. التاريخ الذي يباركه يداخل تاريخ لعنه، وليست كل المحاولات التشكيلية – أو الفلسفية أو الشعرية أو الروائية – التي حاولت تقصّي الجسد، إلا بمثابة فصل وجيز في تلك اللعبة اللامتناهية للجسد. وما وضوح الأجساد في بعض سلوكياتها إلا أقنعة لذلك الغموض المستمد من غياهب التاريخ، المدوّن منه أو المنسي. ولست أدري إذا ما قصد ريجيس دوبري الجسد تحديداً حينما قال في "حياة الصورة وموتها"، إن الأمر يبدو كما لو أن الوضوح الغامض للصورة لا يكف عن زحزحة أكثر يقينياتنا صلابة. 

 

لا أخال أن كوركجيان، عبر معرضها الأخير، كانت في منأى عن هذا الغموض. بل أنا على يقين بأن الغموض هو في العمق سيّد المشهد، بصرف النظر عن وضوح الصورة. لعل بعض مشاهدها مرعبة، لكنها جميلة إلى حدّ الإستفزاز والدهشة...وبالعودة إلى "حياة الصورة وموتها" (منشورات أفريقيا الشرق، ترجمة فريد الزاهي)... مَن قال أصلاً أن الجمال في عمقه ليس سوى رعب مدجّن؟!!   
 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث