"عين الزيتون": النكبة كأنها حدثت أمس

بشير البكر الاثنين 2026/02/23
Image-1771836588
تسعى الرواية للبقاء أمينة للحقيقة التاريخية
حجم الخط
مشاركة عبر

"عين الزيتون" رواية الكاتب الفلسطيني محمد علي طه، الصادرة عن الدار الأهلية في عمان، تندرج في سياق السرد الروائي الفلسطيني، الذي سجل تفاصيل وحيثيات وشهادات حول نكبة عام 1948، بالاعتماد على وقائع مرتبطة بالأحداث في فترة محددة من تاريخ فلسطين، حقيقية وليست خيالية، لكنها في لعبة الراوي تقع على الحدود بين الخيال والواقع. وفي هذا العمل التزم الكاتب السير ضمن منحى زمني حقيقي، اشتغل فيه على بناء الحبكة والشخصيات، في توظيف مدروس للتاريخ.


تسعى الرواية أن تبقى أمينة للحقيقة التاريخية، ويعتمد المؤلف، عموما، على توثيق دقيق لأحداث النكبة. وعليه لا يأتي بما هو غير واقعي، ولا يختلق أية تفاصيل. وقد تقصد الكاتب إعادة كتابة التاريخ، وليس كتابة رواية عن التاريخ. وعلى هذا يتميز عمله بوضوح الرؤية التاريخية، ومن الواضح أنه اجتهد كي يبدو أنه لا يرغب في كتابة رواية تاريخية، تتطلب سرد كل حقيقة وتفاصيل تلك الفترة. بخلاف المرويات التي تسعى إلى إعادة بناء حقب أو أحداث محددة، يبني طه روايته في إطار واقعي، يمتاز بقوة النقل الشفهي. وبعيداً عن التوثيق التاريخي الدقيق، تُشبه الرواية ملحمة أسطورية، تتلاعب برموز الخيال، وكي لا تختل المعادلة يتدخل المؤلف بانتظام لشرح وجهة نظره، أو التعليق على الأحدث.


اللافت في العمل أنه مكتوب كأن النكبة حدثت منذ وقت قريب جداً، ولم يمضِ عليها أكثر من 70 عاماً. ويظهر ذلك في بناء العمل واسلوبه وحبكته الأساسية التي تقوم على أن إسرائيل تأسست على تهجير الفلسطينيين من أراضيهم وبيوتهم في القرى كما في المدن، واستخدام كل الوسائل من أجل تحقيق هذا الهدف، بدءا بالمجازر، وانتهاء بالطرد إلى خارج الحدود، ويقابل ذلك رفض الفلسطيني شروط الاقتلاع من أرضه.


يمتلك الكاتب ذاكرة تسجيلية مكنته من إعادة تركيب المشهد العام لفلسطين في مرحلة ما قبل النكبة، وقد نجح في نقل صور غنية بالتفاصيل عن السكان والمدن والقرى، الزراعة والتجارة، الرعي، حياة الحضر والأرياف، الأفراح والأحزان والزيجات، النبات الحيوان، الماء، الطعام، الطقس، الفصول، الجغرافيا والتاريخ، وربط كل ذلك بقدرة أبناء البلد على ترتيب مكانهم في دورة وراثية، انتقلت فيها الأرض ومن عليها، من الأجداد إلى الأحفاد، وهي كاملة الأوصاف والصفات، كل تفصيل فيها يدل على أن المكان احتضن حضارة عريقة منذ زمن بعيد. واشتغل الكاتب على إعادة تشكيل الحال الفلسطيني، ورسم صورة زاهية عن فلسطين قبل الاحتلال، وما كانت تعيشه قبيل حدوث النكبة بوقت قليل، والتي حلت مثل عاصفة هبت فجأة وقلبت حياة الناس، وحولتهم نهارهم إلى ليل، وافراحهم لأحزان سوف تمتد على مدى طرقات وأزمنة التهجير نحو سوريا ولبنان، وباقي بلدان الشتات.


مزيج من الوقائع والخيال التاريخي، مكتوبة بضمير المتكلم، ليست مجرد استحضار لأحداث تاريخية وأهوال عاشها الفلسطينيون، من جراء النكبة، وخسارة الوطن وتشتت شمل العوائل، بل هي أيضًا تأملٌ مؤثر في المصائر والحب والتضامن ومواقف البشر تجاه الأهوال البعيدة، التي لا تزال تُلقي بظلالها على الشعب الفلسطيني حتى يومنا هذا، وتحول دون وصوله إلى استعادة حقوقه المسلوبة.


الخلاصة، يمكن للروايات التاريخية أن تُلقي الضوء على لحظات من أزمنة غابرة غير معروفة من خلال تسليط الضوء على قصص شخصيات، وأحداث، واتجاهات محددة، لم تُحفظ في أذهان العامة، تستوحي مادتها من أحداث حصلت في حقب سابقة. لا تسلّي القراء فحسب، بل تُثقّفهم أيضًا من خلال إحياء أحداث مهمة طوى الوقت صفحتها، ويعتمد ذلك على سرد شيّق وشخصيات آسرة. وتُقدّم هذه الروايات لمحة عن الماضي، مما يسمح للقراء بالتعرف على التاريخ بطريقة لا تُقدّمها الكتب المدرسية في كثير من الأحيان. ولفهم ماضينا فهمًا كاملًا، يجب استكشاف جميع أصواته، بما في ذلك تلك التي طال كتمها.


التاريخ نسيجٌ من الأحداث الحاسمة والشخصيات المؤثرة، ولكن ماذا لو تم سحب أحد الخيوط أو نسجه بشكل مختلف؟ تُتيح لنا روايات التاريخ البديل استكشاف هذه الاحتمالات المثيرة، مُقدمةً عوالم يختلف فيها الماضي عما نعرفه. من خلال تسلّيط الضوء على قصص تُثير تساؤلاتٍ حول فهمنا لتاريخنا.


كلمة أخيرة لابد من قولها وهو أن القارئ يحس ظل الكاتب اميل حبيبي صاحب "المتشائل"، يخيم على الأجواء، ويحضر في اللغة ومزاج العمل كله يقع في مدار التشاؤل، وهذا لا يقلل من قيمته، وقدره أبداً، لأن لطه جملته واسلوبه وسرديته الخاصة، ويبقى أن هناك تقاطعا في مساري الروايتين من جهة، ومن جهة أخرى فإن حبيبي طبع الرواية الفلسطينية لزمن طويل بفضل السبق الذي حققه فنياً وسياسياً وفي مستوى رؤية النكبة ومخلفاتها كسداسية الأيام الستة التي جاءت بعد هزيمة 1967.
 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث