غيّب الموت في حارة حريك ببيروت، الكاتبة والباحثة المتنورة سلمى مرشاق سليم (1931-2026) إثر تراكم أمراض الشيخوخة عليها. غادرت بهدوء بعدما طفح القلب بحزن الرحيل على ابنها لقمان، شهيد الرأي والحرية والحقيقة. وهي التي أظهرت صلابة يوم رحيله ولم تتحدث عن المأساة الشخصية، بل عبّرت عن مرارتها لعدم قدرة جيل مثل جيل لقمان أن يجد له مكاناً في لبنان. واعتبرت أن الفكر لا يهزم بالرصاص. وتمسّكت بكل المؤسسات التي ساهم فيها لقمان خصوصاً مركز "أمم".
كانت ركناً من أركان ذاكرة بيروت الثقافية من خلال قلمها ومتابعاتها وعلاقاتها وصداقاتها مع المثقفين والأدباء. نشأت في مصر وتخرجت في الجامعة الأميركية بالقاهرة باختصاص في الصحافة وكان أستاذها الأديب وديع فلسطين(1923 – 2022)...
ولا أزال أذكر عندما دعوناه لتكريمه في بيروت العام 2014 كيف قالت التلميذة سلمى كلمة طيبة في أستاذها وديع فلسطين. هي زوجة النائب والوزير محسن سليم، ووالدة لقمان ورشا سليم. تشاركنا معاص في العديد من الندوات في بيروت ومنها عن "هجرة الأدباء الشوام الى مصر" وعن "الشيخ عبدالله العلايلي". تركت الهجرة في حياتها أثراً من مصر ومن لبنان. ومثلما أحبت مصر وثقافتها وأزمانها، كذلك أحبت لبنان وأجواء لبنان وزمان بيروت.
ولدتُ في مصر لعائلة شامية مهاجرة، لأب من أصل سوري من مدينة النبك في القلمون السوري، وأمّ من قرية جون (الشوف- لبنان). نشأت بين مصر ولبنان، واهتمت سلمى بالبحث والتأليف وبتوثيق المكتبات، وكان فرحها عامراً ووفياً حين أضافت إلى مكتبتها مكتبة وديع فلسطين.
أما في التأليف، فقد تركت إضافة إلى الكتب، العديد من الترجمات والمراجعات. ففي كتابها "نقولا الحداد الأديب والعالم" أضاءت في قراءة موسوعية على دور الحداد ومساهمته في بناء النهضة الصحافية والفكرية في مصر من خلال تأسيسه جريدة "المحروسة". وروت في الكتاب سيرة حياة المفكر النهضوي ابن جون، الذي جمع بين الصيدلة والأدب، وكان من رواد العقلانية في مصر. وفي كتابها "مي زيادة: ما تبقى منها للجيل الجديد"، كتبت دراسة توثيقية مهمة حول حياة الأديبة اللامعة مي زيادة وصالونها الأدبي. ولقد أنصفتها بعدما فككت أسطورتها وثمّنت نضالها لأجل المرأة. وفي الكتاب إضاءات على تجارب النساء الطليعيات في عصر النهضة. وكتبت أيضاً عن "ابراهيم المصري رائد القصة النفسية" (دار الجديد2007).. وساهمت أبحاثها وحواراتها في هذا الكتاب في توثيق العلاقات الشامية المهاجرة إلى مصر، وإسهامات القامات الثقافية المتنورة فيها. كما ساهمت في العديد من الترجمات والمقالات البحثية التي تعني بتوثيق ما أهمله التاريخ، مركّزة على الشخصيات التي جسدت قيم الليبرالية والنهضة في الشرق.
تعاملت سلمى مرشاق سليم مع عصر النهضة ليس كحقبة بل كقيمة يجب إحياؤها بالبحث والترجمة والتفكير. تميز أسلوبها بالسلاسة ودقة التوثيق والاستناد إلى الأرشيف والحلم لأجل استعادة روح النهضة. وأدركت أن الكتابة هي شهادة على المكان وفعل مقاومة ضد النسيان والتزوير وضد القبح السياسي، ودائماً مع الحقيقة والمعنى.




