رحلت الباحثة المصرية - اللبنانية - السورية سلمى مرشاق، أرملة النائب السابق والمحامي الراحل محسن سليم، والدة ناشرة دار "الجديد" رشا الأمير والباحث لقمان سليم الذي اغتيل قبل خمس سنوات في جنوب لبنان.
ومرشاق من مواليد القاهرة (1931 -2026) من أسرة شامية تعود جذورها الى مدينة النبك في سوريا ثم انتقلت إلى دمشق ومنها إلى مصر في أواخر القرن التاسع عشر. كانت أرثوذوكسية ثم تحولت في نهاية القرن التاسع عشر إلى البروتستانتية.
تذكر سلمى مرشاق بحسب كتاب "الهجرة الشامية إلى مصر" لمسعود ضاهر "أن آل مرشاق توزعوا في حي الفجالة في القاهرة في منطقة غاردن ستي ومناطق أخرى بالقاهرة، وبقيت علاقات الأبناء والاحفاد وطيدة بمدرسة برمانا العالية في جبل لبنان حيث تعلم والدها وديع مرشاق وبعض انسبائها. وتؤكد أن العلاقة الوثيقة بين مهاجري هذه الأسرة وبعض الزعامات السياسية الوطنية في سوريا كعلاقة والدها بالزعيم السوري عبد الرحمن الشهبندر وفي حوزتها مراسلات عدة بينهما".
والدة سلمى من بلدة جون الشوفية، أهل والدتها تبرعوا بأملاكٍ إلى دير المخلص. كان خالها من أوائل الأطباء الذين تخرجوا في الجامعة الأميركية عام 1904. وسلمى تعلمتُ في مدرسة الأميركيين للبنات في مصر. ودخلت هناك إلى الجامعة الأميركية كلية الصحافة. وأعدت الماجيستير عام 1973 عن الهجرة اللبنانية السورية الى مصر. دراستها موجودة في الجامعة الأميركية. كتبتها باللغة الإنكليزية. وأتى دكتور من الجامعة اللبنانية فأخذ زبدة ما كتبت ونشر دراسة عن دار الشروق وكلما يتحدثون عن شوام مصر يذكرون اسمه لا اسمها.
عائلة سلمى مرشاق اهتمّت بالكتابة والطباعة. والدها عمل في التجارة. ووالدتها- من آل مصوبح- علّمت في مدارس الإنكليز. أثّر فيها انتماء والدها إلى الكنيسة البروتستاتنيّة "الثائرة على التقاليد، والاحتفاليات التي تعيشها الكنائس الكاثوليكيّة" كما قالت. علماً أنّها اضطرّت إلى المزاوجة بين الاثنتين، إذ كانت والدتها الكاثوليكيّة تصطحبها إلى الكنيسة أيضاً. لكن هذا التفاعل صبَّ في "مصلحة الأكثر انفتاحاً إذ درست في المعهد الأميركي في الجامعة الأميركية في القاهرة"(من حديث لجريدة "النهار").
كانت عائلة مرشاق في الصيف تنتقل من القاهرة إلى حيفا عبر القطار ومن هناك تقلهم سيارة تاكسي إلى بلودان، ولأن والدها كان مريضاً بضغط الدم وبلودان منطقة عالية كان لا بد من اختيار بلدة بيت مري المتنية. وفي فندق بيت مري تعرّفت إلى المحامي الشاب الشيعي ابن حارة حريك محسن سليم، وكانت تعدُّ العدّة للانتقال إلى نيويورك. لكن اعجابها به، وهو يكبرها بنحو 18 سنة، دفعها إلى الارتباط به، والبقاء في لبنان أواخر الخمسينات. في زمن كانت حارة حريك بلدة وادعة يقطنها الكثير من المسيحيين قبل أن تشتعل الحرب وتتبدل ديموغرافيا، وتصبح ضمن دائرة "الضاحية الجنوبية" في زمن حزب الله.
سلمى مرشاق المصرية اللبنانية السورية انشغلت وعملت في صحف ومجلات أجنبية، واهتمّت بأعمال البحث والتوثيق والترجمة، خصوصاً في توثيق النهضة العربية وتاريخها، كما شاركت في الحراك الثقافي اللبناني. سلمى مرشاق كما كانت حياتها كانت كتاباتها مهتمة بشوام مصر، عملت على شخصيات لبنانية أسهمت إسهاما بارزاً في النهضة الثقافية والإبداعية التي شهدتها مصر ابتداء من أواخر القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، كان شغفها إضاءة "تاريخ ما أهمله التاريخ"(ضفة ثالثة)، اختارت "نقولا الحداد... الأديب العالمي"(دار الجديد)، ويتضمن دراسة أرادتها الكاتبة مدخلاً إلى عالم نقولا الحداد المتشعب، ودعوة إلى إيفاء هذا الموسوعي الطليعي بعضاً من حقه، وإعادة اكتشاف إنتاجه العلمي والأدبي. نقولا الحداد الصيدلي والأديب اللبناني، واحد من أولئك الرواد.
نقولا الحداد، الصيدلاني والأديب في آن، اللبناني والمصري في آن، عانق عصره عناقاً نهماً لم يدع معه موضوعاً من مواضيع زمانه يفوته أو يبدو له بعيد المنال. فالمتخرج في كلية الصيدلة في الكلية السورية، الجامعة الأميركية في ما بعد، والمهاجر لسنوات معدودات إلى الولايات المتحدة، عاد إلى القاهرة، نيويورك العرب آنذاك، مفتتحاً دار صيدلة ومؤلفاً بدأب وتفانٍ في شتى المسائل. كذلك بشر بالديموقراطية والاشتراكية، مدافعاً، على صفحات "الهلال" و"المقتطف" و"الرسالة" وغيرها من مجلات، عن قضية فلسطين، و"مقترفاً" بين الحين والآخر قصيدة أو ترنيمة. ولد نقولا حداد في جون (بلدة والدتها) عام 1872 وتوفي عام 1954.
قدمت مرشاق كتاباً موثقاً بعنوان "إبراهيم المصري _ رائد القصة النفسية" (دار الجديد) عام 2007، وتذكر أنه من خلال القراءات المتنوعة احتل اسم المصري مساحة في ذهنها ونفسه، لأنه يكتب عن المرأة ويحلل نفسيتها بأسلوب لمس شغاف قلب مراهقة تخطو نحو النضج والاستقلال في شخصيتها. وتضيف: "ودارت الأيام دورتها وانتقلت من القاهرة إلي بيروت حيث التحقت بالجامعة الأميركية للحصول علي درجة الماجستير في دراسات الشرق الأوسط وكان موضوع الرسالة التي تقدمت بها (هجرة الشوام إلي مصر وإسهامهم في النهضة) وذلك العام 1973.
وفي زيارة للقاهرة للحصول علي معلومات أوفى أخبرتني نسيبة لي يعمل أخوها المرحوم شفيق مرشاق في الصحافة منذ أمد بعيد أن إبراهيم المصري هو أيضا من شوام مصر وأن اسمه الحقيقي هو إبراهيم سليمان الحداد وأنه صديق لأخيها الذي عرفه عن كثب وسانده في أزماته، وكانت غرف مكتبيهما متجاورة في دار الهلال. وبقيت هذه الملحوظة العابرة عالقة في ذهني وصممت علي دراسة إنتاج المصري لأنه طبع فترة مراهقتي وشبابي، ولأنه ينتمي مثلي إلي مجموعة شوام مصر التي أحبت أرض الكنانة وتعلقت بها وأبدعت فيها".
وأكثر لحظات عمر سلمى مرشاق قسوة يوم اغتيل ابنها لقمان، انتظرت العدالة لسنوات رافضةً لغة الانتقام، وعاشت أيامها الأخيرة في عزلة الى أن فارقت الحياة.




