"معجم الفسارة القرآنيّة": مدماك علميّ جديد ورصين

أسعد قطّانالأحد 2026/02/22
Image-1771742964
آية قرأنية بالخط الكوفي
حجم الخط
مشاركة عبر

يعرّب لفظ "فسارة" المصطلحَ الإنكليزيّ hermeneutics، علماً بأنّ بعضهم في العالم العربيّ يجنح إلى تعريب المصطلح ذاته عبر استخدام لفظ "تأويل"، أو حتّى "هرمينوطيقا". لا يشير هذا اللفظ اليونانيّ الأصل إلى عمليّة التفسير في ذاتها، بل إلى المنطلقات الفلسفيّة والمقاربات المنهجيّة التي تتحكّم بالفهم، وتالياً بالتفسير.

 

 يعود التفكير في قبليّات الفهم وإشكاليّات التفسير إلى العصور القديمة. لكنّ الفسارة لم تتكرّس بوصفها فرعاً من فروع الفلسفة إلّا في القرن التاسع عشر بفضل اللاهوتيّ والمفكّر الألمانيّ فريدريش شلايرماخر (1768-1834). والحقّ أنّ المفكّرين الألمان، من شلايرماخر إلى يورغن هابرماس، مروراً بالفيلسوف العظيم هانس-غيورغ غادامر (1900-2002)، حازوا الصدارة في وضع أسس الفكر الفساريّ واستكشاف العوامل التي تؤثّر في فهم الظواهر الإنسانيّة وتأويلها، ولا سيّما النصوص المكتوبة.

Image-1771743145

تطلّ الفسارة على اللاهوت وعلوم القرآن كما لا يطلّ عليهما أيّ فرع فلسفيّ آخر، ذلك بأنّ تأويل النصوص الدينيّة ذات الطابع المرجعيّ شغل البشر منذ أقدم الأزمنة، ربّما منذ التقط الفيلسوف اليونانيّ هيراقليط، بحدسه الثاقب، أنّ معضلة نبوءات عرّافة دلفي تكمن في التباسها ومعانيها المزدوجة. وقد استعاد العرب هذا الحدس الهيراقليطيّ عبر قولهم المأثور إنّ النصوص حمّالة أوجه، أي إنّ النصّ الواحد يستبطن إمكانات معنويّةً عديدة، ويمكن تأويله من غير زاوية. ويؤكّد هذه الملاحظة سعي اللاهوتيّين والعلماء الدينيّين عبر العصور إلى وضع آلاف المصنّفات في تفسير التوراة والكتاب المقدّس والقرآن الكريم.

يأخذنا "معجم الفسارة القرآنيّة" إلى التراث التفسيريّ المتّصل بالقرآن، بالاستناد إلى مقاربة تاريخيّة تتوخّى الشمول وتراعي الدقّة. صاحب فكرة المعجم وناشره هو الدكتور جورج تامر ذو الأصول اللبنانيّة، أستاذ الفيلولوجيا الشرقيّة والعلوم الإسلاميّة في جامعة إرلنغن-نورنبرغ، ومدير مركز الأبحاث البافاريّ للخطابات بين الأديان. يقع المعجم في مجلّدات سبعة تتناول تفسير القرآن منذ ظهور الإسلام على مسرح التاريخ إبّان القرن الميلاديّ السابع حتّى عصرنا هذا. وقد صدر منها بين العامين 2024 و2026 المجلّد الرابع والخامس والسادس، على أن تصدر بقيّة المجلّدات إبّان العامين الجاري واللاحق. واللافت أنّ المعجم يرصد مجلّداً كاملاً، هو السادس في الترتيب، لتفسير القرآن لدى غير المسلمين. ويكتب تامر في تقديمه هذا المجلّد، الذي صدر قبل أسابيع، أنّ الهدف ليس الإحاطة بكلّ ما أتى به غير المسلمين من مقاربات تفسيريّة، بل تقديم نموذج معبِّر عن انخراطهم في عالم التأويل القرآنيّ، ولا سيّما في ما يتخطّى الجدل وأدب المنافحة. أمّا الفصل السابع والأخير من المعجم، فيشتمل على فهارس وقائمة شاملة بالمراجع المستخدمة.

يستلهم "معجم الفسارة القرآنيّة" ما تتّصف به المدرسة الألمانيّة من جمع بين السعة والعمق حين تتفحّص التراث الإسلاميّ. لكنّه يتّخذ اللغة الإنكليزيّة حصراً أداةً للتعبير، وذلك على غرار "دائرة المعارف الإسلاميّة" و"دائرة المعارف القرآنيّة"، وبالرغم من صدوره في ألمانيا عن دار دي-غرويتر (DeGruyter) العريقة، المتخصّصة في الإنسانيّات ونشر أمّهات الكتب. وقد ساهم في تدبيج أبواب المعجم وكتابة مقالاته أكثر من مئة وثلاثين باحثةً وباحثاً يعمل معظمهم في جامعات أوروبّا والولايات المتّحدة وكندا، علماً بأنّ أصول بعضهم عربيّة. ويضع المعجم مدماكاً جديداً من مداميك دراسة الإسلام عموماً، والقرآن الكريم خصوصاً، وذلك سعياً إلى استكمال الأدوات المنهجيّة التي تتيح العكوف على التراث الإسلاميّ عكوفاً علميّاً صرفاً بعيداً من المواقف الإيديولوجيّة والخطابيّات الفارغة.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث