حظي كتاب "رحلة إلى الشرق والأراضي المقدسة"، الصادر في العاصمة القيصرية سنة 1881، باهتمام كبير من القراء الروس، والسر في رواج الكتاب أن عنوانه اقترن بعبارة "برفقة الأمير الكبير نيقولاي نيقولايفيتش". وكانت هذه العبارة كافية لضمان انتشاره الواسع، لدرجة أن الطبعة الأولى نفدت فور صدورها، وصدرت طبعة ثانية منه لتصل إلى كل أطراف الإمبراطورية. لم يكن الاهتمام مُنصباً على الشرق فحسب، بل أيضاً على "الأسرة الحاكمة"، التي كانت شؤونها تشكّل جزءاً حياً من مخيال الروس اليومي.
كان صاحب السمو الأمير الكبير نيقولاي نيقولايفيتش (1831-1891)، الابن الثالث للقيصر نيقولاي الأول (مُحارب القرم الشرس)، شخصية شعبية بوصفه قائداً عسكرياً بارزاً وصل إلى رتبة "فيلد مارشال"، وخاض جميع الحروب ضد الدولة العثمانية في عصره. وقد انطلقت رحلته في خريف 1872 من سان بطرسبورغ برفقة حاشية تضم رفاقه العسكريين، وكان بينهم الضابط الشاب دميتري أنطونوفيتش سكالون (1840-1919)، ذو الأصل الفلسطيني (من آل "دي سكالون" أي العسقلاني)، والذي تحول إلى مُدوّن الرحلة ومرآتها. رغب سكالون في أن يكون أثر الزيارة الأكبر في ذهن القارئ الروسي هو تجسيد مشهد السير على "درب الجلجلة" في القدس وزيارة قبر المسيح، وهي لحظة تشبع التوق الأرثوذكسي الروسي إلى الأراضي المقدسة. لكن ما تبقى من كتابه، وخاصة وصف التجوال في سوريا ولبنان وزيارة بعلبك، تحول إلى وثيقة إثنوغرافية فريدة، تلتقط بالتفصيل الحياة اليومية والعادات والسلطة في وادي البقاع في الربع الأخير من القرن التاسع عشر.
من بيروت إلى البقاع
غادر الموكب الرسمي بيروت متجهاً شرقاً. يصف سكالون المشهد الزراعي الدقيق لمنحدرات لبنان: المدرجات التي تشبه "سلّماً عملاقاً" والمزروعة بكروم العنب والزيتون والتوت، وهو نظام زراعي ومعيشي يعكس تكيّفاً قديماً مع الجبال. المنظر من الأعلى يكشف عن دينامية بيروت الحديثة نسبياً: الخليج المكتظ بالسفن التجارية المحملة بالبضائع، والبيوت البيض التي تبرز "كأنها وسط بساط أخضر". هذه الصورة تظهر التمايز بين الريف المنظم والمدينة الساحلية الناشطة، التي كانت تشهد ازدهاراً تجارياً "تحت إدارة واليها المتنور كامل باشا".
لكن "الطريق الملكي" المؤدي إلى دمشق يكشف عن واقع آخر، إذ يصفه الكاتب بأنه مليء "بأكوام الحصى والحجارة المكسورة" ومنحنيات خطرة، مما يدفع التجار إلى تفضيل نقل البضائع على الجمال عبر الطرق القديمة لتجنب رسوم الطريق الفرنسي المعبّد. هذا المشهد يلخص صراعاً بين الحديث (الطريق المُعبّد وعربات البريد "الديلاجانس" وعربات النقل الثقيلة) والتقليدي (قوافل الجمال والبغال). يلتقط سكالون أيضاً "تنوع الأزياء" حيث يحدثنا بعض الريفين الذين يذكره مظهرهم "بقوزاق أوكرانيا" بسبب رؤوسهم المحلوقة وقصّة "الشاشية" (أي الإبقاء على الغرّة فوق الجبين) والشوارب والسراويل الواسعة، ملمحاً عبر ذلك كان إلى التبادل الثقافي عبر الإمبراطوريات أو تشكّل هويات محلية مميزة.
الاستقبال والضيافة في شتورا
عند وصول الموكب إلى سهل البقاع قرب بلدة شتورا، يصف سكالون مشهداً من طقوس الاستقبال الرسمية إلى جانب استقبال آخر بدوي - ريفي هجين، والذي كان في جوهره عرضاً للقوّة. فيلحظ في الاستقبال العسكري العثماني وجود فصيل عسكري يعزف النشيد القيصري الروسي "حفظ الله القيصر"، ثم مقطوعات أوبرالية إيطالية مثل "التروبادور"، مما يعكس الاختراق الثقافي الأوروبي حتى في المراسم العثمانية، ويُظهر التناغم السياسي الظاهري بين الإمبراطورية القيصرية والسلطنة العثمانية. أما الاستقبال الشعبي التلقائي فيصوّره عبر خروج "العرب والبدو" لاستقبال الأمير "بالهتاف وإطلاق النار"، بينما وقفت النساء على الأسطح البعيدة "يزغردن". يتوقف سكالون عند الفصل بين الجنسين في طقوس الاستقبال (الرجال في الفضاء المفتوح حاملين السلاح، والنساء في الفضاء المحصّن بالمسافة يزغردن بأصواتهن الحادة). والأهم بالنسبة إلى العثمانيين، هو تأكيد سيادتهم على الأرض، مع تقديم أفخر أنواع الضيافة للأمير القيصري الذي حاربهم طويلاً، في لعبة دبلوماسية معقدة. يقول سكالون:
"كان سموه قد اقترب من المخيم الذي نُصب لنا فوق أرض محصودة، بأمر من السلطان، وذلك بالقرب من بلدة شتورا. للترحيب به، خرج العرب والبدو المحليون راجلين، وحيوه بالهتاف وإطلاق النار، بينما وقفت النساء على الأسطح يزغردن بأصوات حادة. تألف معسكرنا من خيمتين كبيرتين، محاطتين بخيام ذات شكل تركي خاص تماماً: جسم أسطواني مستقيم، مُغطّى بسقف مخروطي الشكل، مُزيّن بكرة نحاسية أو راية. خصّصت كل خيمة لشخصين واحتوت على سريرين، وطاولة لغسيل الوجه مع مقعد، وبساط سميك. كان الأثاث فاخرًا، ناهيك عن الخيمة الخضراء، المُبطنة بالحرير الأحمر والمزيّنة بالسجاد ووسائد ناعمة، والتي كانت مخصصة لاستقبال الضيوف. في الخيمة الخضراء الأخرى، جُهزت مائدة طعام مُعدة بشكل ممتاز.
بعد قطعنا 35 فيرستا (وحدة قياس تساوي 1.06 كيلومترا) على صهوة الجواد، أو نحو سبع ساعات ركوباً، يسهل تخيل مدى سرورنا للاجتماع حول مائدة العشاء. نسيت أن أذكر أن حاكم بيروت كامل باشا، وهو رجل مثقف جداً ويتحدث الفرنسية بطلاقة، وعاكف باشا، برفقة سريتين من الفرسان، كانا يرافقاننا. على مائدة العشاء، جلس عاكف باشا مقابل سموه، بين عاكف ومسؤول مؤونتنا (الخزنه دار). على الرغم من ضخامته، كان عاكف باشا المتين والنشيط رفيقاً مرحاً. تصادق على الفور مع مسؤول المؤونة، مُسمّياً إياه "ساتشاب باشا". ولرغبته في تجنب إهانة صديقه الجديد، اضطر مسؤول مؤونتنا، الذي كان دوماً رصيناً، إلى إفراغ كأس تلو الأخرى في جوفه، مما ساهم كثيراً في المرح العام. عندما نهضنا من على المائدة، كانت الشمس قد غربت واصطبغت السماء وكل الوادي بلون قرمزي. كانت جبال لبنان قد ارتدت عباءة الليل المظلمة، بينما كانت جبال لبنان الشرقية المقابلة تبرز بوضوح في ضوء الغروب، حتى خبت أشعتها وتلألأت النجوم في السماء. ذهبت إلى خيمتي وجلست لكتابة يومياتي. كان رفيقي قد غط في النوم (أي الفنان يفغيني كيريلوفيتش ماكاروف الذي رسم معالم الرحلة)، وخفتت الضجة تدريجياً في المعسكر وسرعان ما ساد سكون تام، لولا رنين أجراس الحيوانات التي كانت تأكل علفها".
قيم الحرب والشرف
في صباح اليوم التالي، قدّم "بدو المنطقة" عرضاً حربياً أمام الأمير. يصف سكالون العرض كتمثيلية صغيرة عن "الحرب بين قبيلتين متعاديتين"، تكشف عن قيم المجتمع البدوي عبر الإضاءة على التسلسل الهرمي والطقسية إذ يبدأ العرض بخروج الشيوخ، ثم المحاربين فرادى للمبارزة. كما يركز على الشعر إذ ينشد المبارزون "أناشيد حربية" تُمجد "الشجاعة والبراعة والرشاقة وسرعة الخيول"، والشعر هنا ليس ترفيهياً بل وسيلة لتحفيز الذاكرة الجماعية ورفع المعنويات وتعزيز الهوية. ثم يصل إلى المهارات القتالية الفردية والجماعية من المطاردة واستخدام الرماح والسيوف ثم تمثيل المعركة.
ينظر الكاتب بعين ناقدة إلى خيول البدو، فهو ضابط وخيّال خبير. يجدها "قصيرة القامة ومؤخرتها كمؤخرة كبقرة، وأرجلها الأمامية قصيرة"، بعيدة عن صورة "الحصان العربي" الأسطوري في الأدب الأوروبي، ويرجع سبب ذلك إلى "استخدامها المبكر تحت السرج". هنا، يُظهر الكاتب الفجوة بين التصور الرومانسي الشرقي والواقع المادي القاسي للحياة البدوية.
ثم يرسم سكالون صورتين متباينتين للمحاربين، الأولى صورة المحارب المخيف "رأسه محلوق إلا أنه أبقى خصلات شعر طويلة في مؤخرته، يرتدي عباءة سوداء وبيضاء، صدره عارٍ، يتحرك كالمجنون". أما الثاني المثالي، فهو البدوي النبيل وهو "نحيل ورشيق كالنخلة، أنفه مستقيم، لديه لحية إسفينية، وعينان سوداوان، وبشرة برونزية، وابتسامة تظهر أسنانه البيض". يتخطى توصيف المظهر إلى تصنيفات الجمال والهيبة في ذهن الراصد الأوروبي، الذي يبحث تارة عن "الآخر" المُختلف وتارة عن "البطل" المُتجانس مع اعتقاداته.
إلى بعلبك
عبر وادي البقاع، يسجل سكالون تفاصيل الحياة اليومية التي تشكّل نسيج المجتمع متوقفاً عند العمارة الدفاعية، فيرى أن القرى تبدو كـ "مجموعات من الأبراج المربعة" تُخزن تحتها "الناس والماشية وكل المستلزمات"، مما يعكس حالة من انعدام الأمن المزمن أو نمط المعيشة الجماعي المحصّن. ويلاحظ في وجود "مدرسة يسوعية" يدرس فيها "أطفال أرثوذكس لعدم وجود مدرسة أخرى"، كاشفاً عن واقع التعليم المحدود والتنافس الخفي بين الكنيسة الكاثوليكية (اليسوعيون) والأرثوذكسية. وفي مدينة زحلة، يرافق الموكب "المطران الأرثوذكسي، وهو عربي ودود"، مع شماس يركب حماراً و"عامل إسطبل يجري بجانبه". هذا المشهد المصغر يصور التسلسل الهرمي داخل المؤسسة الدينية (مطران، شماس، خادم) ويكشف عن طريقة تنقل تختلف جذرياً عن موكب الأمير الفخم. كما يصف الكاتب الحقول وعملية حرثها إذ "كانوا لا يزالون يحرثون بالثيران والمحاريث ويزرعون في الأخاديد".
يصل سكالون إلى ذروة الوصف عند الوصول إلى بعلبك. انطباعه الأول هو الذهول أمام "الكتل الأحادية الضخمة" التي يستحيل على العقل تصور نقلها ورفعها. لكن سكالون، بعقليته العسكرية والملاحظة، لا يكتفي بالإعجاب، بل يقدم تحليلاً عملياً وتاريخياً، فيلاحظ كيف أن العرب في العصور الوسطى حولوا الجدار الخارجي لمعبد الشمس إلى "سور حصن مزود بفتحات لإطلاق النار"، مستخدمين "شتى أنواع الحطام". هذا تحويل دال للموقع من معبد وثني إلى منشأة دفاعية إسلامية، ثم إلى موقع أثري يُزار. كما يرفض الرواية السهلة عن "جهل الغزاة" ويُرجح أن دمار الهياكل كان بسبب الزلازل، مذكراً بأن "آخرها حدث قبل ثمانين سنة" (أي نحو عام 1792)، مقدّماً تفسيراً جيولوجياً واقعياً. ويسجل أن الجدران "مليئة بأسماء المسافرين بلغات شتى" وهي على الجدران بطول قامة الإنسان. وهذا دليل على ظاهرة "تخريب الزوار" أو الرغبة في تخليد الذكرى، والتي لم تكن حكراً على ثقافة أو عصر، بل كانت ممارسة شائعة بين الرحالة من جميع الجنسيات. ولم يشذ الأمير الكبير عنهم، بل نحت شعاره على جدار معبد جوبيتر، في فعل يكرّس زيارة الأمير الروسي ويدمج وجوده وسلطته في تاريخ الموقع الأزلي نفسه.
في بعلبك كذلك، حظي الأمير ومرافقوه بمشاهدة الألعاب النارية ليلاً، في مشهد مسرحي مذهل يحوّل الآثار إلى ديكور عملاق، حيث حرصت الإدارة العثمانية أن تقدم للضيف القيصري ما لا يمكن أن يشاهده في بلاده.




