رحل نزيه أبو الريش عن عالمنا إذاً، سكن الجسد إلى الأبد، فيما ظلّت أصابعه المشاغبة تباغت موته، وتداعب أوتار كل عودٍ يحتضنه عازف. طلع علينا وجهه الباسم، هذه المرة، من حسابات الموسيقيّين، جامعًا ما فرّقته الجغرافيا والأكاديميا، تحت عنوانٍ صادمٍ وموجعٍ هو الغياب. رحل العازف والمؤلّف والصانع والإنسان قبل كل شيء، رحيلاً يشبهه، خاطفاً ومسالماً، تاركاً وراءه شغوراً فنياً يصعب ملؤه.
وُلد نزيه أبو الريش في سوريا، في محافظة اللاذقية، وعانق العود باكرًا منذ سنّ الخامسة، عناقًا أزليًا ومصيريًا. في سن الثالثة عشرة، بدأ مسيرته الاحترافية مع فرقٍ محليّة، تشرّب عبرها أصالة الموسيقى العربية، قبل أن يتطوّر مساره ليؤسّس العام 2005 مدرسته الخاصة لتعليم العود، التي خرّجت ثلّةً من العازفين من حاملي رؤيته بإخلاص إلى يومنا هذا. في تلك المرحلة، شرّق "أبو علي" إلى مسارح العالم العربي، وغرّب إلى المسارح العالمية، إلى أن استقرّ أخيرًا العام 2016 في مونتريال الكنديّة، حيث واصل مسيرته الاحترافية بشغفٍ ملحوظ، منفتحًا على تجارب جديدة، وشراكات موسيقية عابرة للثقافات. وقد شكّلت كندا بالنسبة إليه بيئةً ثقافية حاضنة لتطلّعاته، إذ رأى أن موسيقيّيها يتطلّعون دومًا إلى اكتشاف موسيقانا، لا بوصفها غرائبية، بل باعتبارها لغة حيّة قابلة للحوار والتفاعل.
في مسيرته، لم يدّعِ نزيه فلسفةً في العزف، فلا انزلق إلى تصلّبٍ أكاديمي، ولا سقط في فخّ الاستعراض. وقد أتاح له انفتاحه الموسيقي فرصة الاندماج مع موسيقيين عالميين، واستثمار العود في فضاءات مُحدثة. لم يؤمن يوماً بتطويع العود ليناسب الغرب، بل كان يراه آلةً متّزنة، متطوّرة في أصلها، ذات طاقات غير محدودة، لا تحتاج إلى إخضاع بقدر ما تحتاج إلى عازفين يحسنون الإصغاء إلى إمكاناتها. وهذا ما احترفه نزيه، فأظهر بُعدًا إضافيًا للعود: قدرته الفريدة على التآخي مع مختلف الموسيقات بليونة.
من هذا المنطلق، أدخل نزيه أبو الريش الهارموني بسلاسةٍ عجيبة إلى عزفه، وفتح العود على مساحات التجريب والارتجال، من دون أن "يتسوّل" الإبهار. ابتعد عن الاستعراض التقني/الميكانيكي للقدرات، رغم أنّه أقدَر العازفين عليه. وربما يعود هذا الطابع الإنساني المعولم في فنه إلى هشاشة مفهوم "الآخر" لديه؛ إذ لم يحصر استماعاته في العود والموسيقى الشرقية وحدها، بل أصغي إلى جلّ أنواع الموسيقى وآلاتها، كالغيتار والهارب والبيانو وسواها، متأثّرًا بعوالمها الصوتية المتعدّدة.
انطلق فضول نزيه الموسيقي، من الإصغاء، وتجاوزه إلى التطبيق. فاحترف عزف أنماطٍ موسيقية متنوّعة، من البلوز والجاز إلى الموسيقى الهندية والتركية والتانغو، من دون أن يضلّ طريق عودته إلى الموسيقى العربية التي اتسمت في فنّه ببُعدٍ عالمي. وقد اعتبر الكثير من العازفين، أنّ أبو الريش استطاع ابتكار مدرسة جديدة لعزف العود نظراً لقدرته على تطوير تقنيات العزف الكلاسيكيّة، حيث نراه أحيانًا يستغني عن الريشة، مانحًا أصابعه حقّ مداعبة الأوتار، في تزاوجٍ ذكي ومبدع بين أسلوب الغيتار وروح العود. وقد تجسّدت هذه الرؤية الموسيقية بقدراتٍ عالية أثارت إعجاب المتخصصّين؛ فكان أبو الريش من أبرز من يعفقون النغمة بوضوحٍ ونقاء: لا علامات ضائعة، ريشة مبهرة، مرونة عالية لليد اليسرى، معرفة موسيقية رفيعة، وخيال نغمي خصب ونادر.
هذه المقدرات الفنية جعلت نزيه أبو الريش علامةً فارقة على الصعيد المهرجاني؛ إذ استطاع أن يحجز لموهبته مكانةً غير مسبوقة في أبرز المهرجانات الموسيقية العربية والدولية. وكان حضوره فاعلًا ومؤثّرًا فيها، لا سيما في مهرجان كتارا لآلة العود، حيث قدّم تجارب عزفية أسهمت في ترسيخ العود كآلة قادرة على مخاطبة جمهورٍ متنوّع، عابرٍ للحدود والأنماط الموسيقية.
إلى جانب حضوره الحيّ في المسارح، ترك نزيه أبو الريش إرثًا موسيقيًا موثّقًا في أعماله وألبوماته، شكّل امتدادًا طبيعيًا لرؤيته الفنية. جاءت هذه الأعمال بمثابة مختبرٍ مفتوح للعود، حيث تلاقى الطربي بالكلاسيكي، والشرقي بالغربي، وعكست تعاوناته الكثيرة مع موسيقيين من مختلف أصقاع الأرض، قدرته على تقديم العود كآلة ديناميكيّة، معاصرة، وقادرة على محاورة أنماط موسيقية متعدّدة، من دون أن تفقد هويتها.
أما نزيه المُطوِّر وصانع العود، فلم يكن أقلّ موهبةً من نزيه العازف. في ورشة مدرسته، تعاون مع عدد من الصنّاع، وظلّ في سعيٍ دائم إلى التطوير، فلم يتعامل مع العود بوصفه منتجًا، بل ككائنٍ صوتيّ حي. استحدث مقاسات فيزيائية خاصة بأكاديميته، وطوّر نظام جسور داخلية متقدّمًا يحافظ على امتداد الصوت حتى في أوتار الجواب. أفضى ذلك إلى صوتٍ متوازن القوّة عبر ثلاثة أوكتافات متتالية على الزند، ما أتاح عزف الهارموني والكوردات بوضوحٍ تام، مع الحفاظ على طبيعة صوت العود العربي. هكذا تحوّل العود إلى آلة شاملة الإمكانات: طربية، كلاسيكية، أو أكاديمية حديثة، من دون أن تفقد هويتها.
عاش نزيه موسيقيًا داعيًا إلى السلام، جريئًا، باحثًا، وعميقًا إلى أقصى حدود العمق الفني. وترك لجمهوره وأصدقائه رسالةً قديمةً عبر حسابه في فايسبوك بالصوت والصورة، دعا فيها الهواة كما المحترفين إلى مشاركة موسيقاهم وأشعارهم ورسومهم، بدائية كانت أم محترفة، في وسائل التواصل الاجتماعي، علّ الجمال يوازن قبح العالم فينقذه، وحثّهم على تجاهل النقّاد والمتعالين.. مقطعٌ، رغم بساطته، يلّخص فلسفته الحياتيّة والفنيّة الى حدٍ بعيد. أمسك نزيه أبو الريش عوده منذ عمر الخامسة، وهو اليوم، من عليائه يحضنه، ويعدنا كما اعتاد دائمًا بأنّه "لن يعزف عن العزف".




