ظاهرة النائب الشمالي وخطاب الرشوة

محمد حجيريالجمعة 2026/02/20
Image-1771581912
موكب نائب في البرلمان البناني
حجم الخط
مشاركة عبر

قال نائب شمالي في مقابلة صحافية إنه تلقى "هدية" مئة ألف دولار عداً ونقداً من نائب بيروتي لإنشاء مشروع مياه في عكار، والغاية غير المباشرة من الهدية، إن النائب البيروتي الحالم والمتمّول، كان في باله أنه إذا ترشح لرئاسة الحكومة أن ينتخبه النائب الشمالي ويصوّت له. مصادر مقربة من النائب البيروتي ردّت على ما سمّته "وقاحة" النائب الشمالي بأنه طلب العام 2023 دعماً بقيمة مئة ألف دولار من أجل مشروع للمياه والآبار في منطقة عكار، مضيفة أنه في العام 2023 لم تكن هناك أي استشارات نيابية لتسمية رئيس للحكومة، ما يعني أن كلام النائب الشمالي يأتي في سياق المزايدة السياسية والانتخابية، بحسب المصادر


لم ينفِ النائب البيروتي إنه قدّم المال، لكنه أنكر "النوايا" و"الطموح".. هكذا بكل ثقة في النفس وغرور، لا يقدّم النائب البيروتي مشاريع لمناطق لصناعة زعامته، لا يكلّف نفسه عناء العمل والتواصل مع الناس، بل يختصر الأمور، يريد شراء الزعامة مباشرة بالرشوة أو من عند "علي اكسبرس" كما يقول العامة، وهو ربّما، لم يدرك أنه ليس بالأموال وحدها تُصنع الزعامات.


وبكل وضوح وبلا أي مواربة، أعلن النائب الشمالي، ممثل الأمة المنتخب مباشرة من الشعب، إنه تلقى هدية-رشوة، وعلاقته ليست ودية بالراشي، الذي سبق أن قيل إنه دفع رشوة ضخمة للأمير الوهمي "أبو عمر"، أو أنه مُشغّل وصانع الأمير الوهمي لكي يصل إلى رئاسة الحكومة بدعم من السعودية. بالطبع هو أنكر ذلك، وقال إنه أعطى رجلاً معمّماً ثمن أدوية سرطان. وفي كل الأحوال لم يكن الأمير الوهمي إلا النموذج المثال لتبيان صناعة الرشوة والسياسة في الجمهورية اللبنانية. ولئن قُبض عليه، فسياسته مستمرة، ونلحظ ذلك من سلوكيات وسائل الإعلام والتبليغات والإرشادات السياسية لبعض السياسيين في لبنان.


قضية أخرى أثارها النائب الشمالي، فقال إنه اذ لم ترض مرجعيته الإقليمية عن زعيمه المحلي، فلن يكون معه في الانتخابات. بدا أن النائب الشمالي الذي يقول الأمور كما هي، يعري السياسة اللبنانية وشجونها وتفاصيلها وآفاقها، بكل بساطة، خصوصاً في الوسط السنّي. فمن جانب، يضعها في خانة السمسرة والرشاوى، إذ يقول إن المال والزبائنية هما الناخب في لبنان، ومن جانب آخر يقرّ بازدواجية الولاء والهوى السياسي في الشارع اللبناني. ازدواجية الولاء التي لم تنته منذ تأسيس لبنان الكبير، رغم مرور أكثر من قرن على سايكس بيكو ورغم شعارات "لبنان أولاً"، و10542كم، فيما لم يصبح لبنان حتى الآن البلد-الأمة، بل دائماً يعيش مأزق الامتداد الإقليمي والدولي، من الانتداب الفرنسي إلى المد الناصري إلى الهوى الفلسطيني والعداء الإسرائيلي، ثم الوصاية السورية والولاءات الإيرانية والسعودية.


والنائب الشمالي "ظاهرة" ليست غريبة، يشكل نموذجاً لأحوالنا ومظاهرنا. لا يعير السياسة اهتماماً كبيراًً، ولا يطلق تصريحات نارية، ولا يقف في خنادق المواجهة، ولا ندري أن كان قد قدّم أي اقتراح قانون لمجلس النواب، لكن حضوره من خلال مَواكبه. عشرات السيارات الفارهة رباعية الدفع وداكنة الزجاج، لا ندري عدد مرافقيه. وسبق أن صدر عن رئيس الجمهورية جوزاف عون، يوم كان قائدًا للجيش، برقية بتاريخ 2024/5/16، أمر فيها القطع والوحدات بضبط بطاقات "تسهيل المرور" الصادرة عن جهاز الأمن والحماية لدى مكتب النائب الشمالي وتوقيف حامليها في حال حيازتهم سلاحًا حربيًا أو مرورهم بآلية غير قانونية. لكنّ البرقية لم تردع نائب الأمّة الذي استمرّ يتنقّل وكأنّه دونالد ترامب سيد البيت الأبيض.


عدا ذلك، اشتهر النائب الشمالي بأنه يحضر مناسبات اجتماعية وحفلات زفاف ويأتي من يرش عليه المال، وهو قال إن هذه الأمور طبيعية في عكار والناس "تعبّر عن حبّها بهذه الطريقة في الأعراس والحمدلله لم نقترف الكبائر"، ولفت إلى أنه "ضد رش المال على شخص لكن لا يمكنني منع الناس من تكريمي". هو في منطقة لطالما عرفت بالحرمان والتهمش، وعلى مقربة من مدينة متصدعة تسقط مبانيها على رؤوس أهلها.

 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث