أوليفر لاكس لـ"المدن": أقترب من الموت لإحياء الصور

محمد صبحي الجمعة 2026/02/20
Image-1771569917
"أنا متأثر جداً بالتصوف، وهو ممارسة دينية وروحية سامية، تعتمد على الباطن. لذلك، ليس لها كتالوغ"
حجم الخط
مشاركة عبر

رحلة غامضة ومحفوفة بالمخاطر يقدّمها فيلم "صِراط" للمخرج الإسباني أوليفر لاكس، المرشّح لأوسكار أفضل فيلم دولي لعام 2026. يروي الفيلم قصة لويس (سيرجي لوبيز) الذي اختفت ابنته مار منذ خمسة أشهر. يجد لويس نفسه تائهاً في مكان ما بالمغرب، فينضمّ إلى مجموعة من روّاد الحفلات الصاخبة في رحلة إلى أقصى بقاع الأرض، مدفوعاً بموسيقى نابضة بالحياة، آسرة، ومُعدية. فيلمٌ بسيط وعميق، غني بالتفاصيل الحسّية، يركّز على مواضيع البحث الوجودي، والفقد، وتداخل المسار الروحي والمادي. تدور أحداثه في صحراء مفتوحة على كلّ الاحتمالات، ويستكشف الأبوّة، والحزن، وهشاشة الإنسانية في ظلّ الانهيار المجتمعي، في إطار رحلة روحية معاصرة. عملٌ يبقى عالقاً في الذهن لفترة طويلة بعد مشاهدته.

 

في هذه المقابلة، يحلّل أوليفر لاكس فيلمه من منظورٍ مادّي وعضوي وميتافيزيقي، متناولاً في الوقت نفسه القضايا المعاصرة التي يستكشفها الفيلم، كالهجرة والأزمات السياسية والبيئية. بعد الضجّة التي أحدثها الفيلم في مهرجان كانّ 2025، حيث فاز بجائزة لجنة التحكيم وحصل على تقييمات متباينة، يُعيد المخرج بصبرٍ ودقّة النظر في الخصائص المميّزة لسينماه، الساعية إلى الربط بين عوالم ومستويات واقعية وتصوّرات مختلفة.

 

  • يستند فيلم "صراط" إلى أساس ميثيولوجي متكامل، يشير تحديداً إلى مفهوم إسلامي مثلما إلى أسطورة أورفيوس ورحلته عبر العالم السفلي. هل كان الدافع وراء الفيلم دمج هذه الأسطورة في سياقٍ معاصر واستشرافي في آنٍ واحد، عبر مزج الأنواع السينمائية ومستويات التأويل؟

 

كانت الفكرة الأساسية تنظيم طقس حول الموت. واضحٌ الحساسية الإنسانية تتكرّر باستمرار، وهذه الشخصيات الأسطورية نماذج أصلية عالمية. دائماً ما نُعيد صياغة هذه الأشياء نفسها. لكنني أجد أيضاً أننا نعيش في مجتمع يخشى الموت بشدّة، وأنا شخصياً لم أختبر الموت كثيراً. شعرتُ بالحاجة إلى التقرّب من الموت بتأمّله وتدبّره. في الثقافة الإسلامية يُكفّنون الميّت بالقماش. أجد ذلك مؤثراً لأنه وسيلة لحمل المرء موته بداخله. لذا، كان هدفي دعوة المتفرّج إلى ارتداء هذا الكفن ذهنياً. الحفاظ على علاقة سليمة مع الموت أمرٌ قد يُعتبر مخيفاً، ولكنه في الواقع مُحرِّر.

Image-1771570039
  • يمزج "صراط" هذه العلاقة بالدين والمعتقد، المنعكسة في اتساع الصحراء، مع عناصر أكثر واقعية وعملية مثل موسيقى التكنو وحفلات الرقص الصاخبة، وحتّى الحرب. كيف استطعتَ التوفيق بين كلّ هذه العناصر؟

 

أنا متأثر جداً بالتصوّف، وهو ممارسة دينية وروحية سامية، تعتمد على الباطن. لذلك، ليس لها كتالوغ. فعبر تفاصيل صغيرة تتجلّى أسرار الكون. في الغرب، لدينا حالياً شكلٌ باطنيٌّ بحتٌ من الروحانية، لا وجود فيه للظاهر. ومع ذلك، يبدو لي أن كلّ ما في الواقع يُظهر روحانية. لهذا السبب أصنع أفلامي في الطبيعة. إنها ليست مجرّد بيئة جميلة، بل أيضاً فخاخ وعقبات وأنهار يجب عبورها، وما إلى ذلك. لكلّ شيء دوره.

 

  • ينقسم فيلمك تقريباً إلى أربعة فصول، وjتخلّله ثلاث لحظات محورية تُغيّر مساره نحو وجهة مختلفة، وتأتي هذه اللحظات الثلاث بوتيرة منتظمة، يفصل بين كلّ منها نصف ساعة. هل خططتَ لهذا الهيكل ودرسته بدقة؟

 

من اللافت النظر إلى "صراط" من هذه الزاوية، لأنني لم أدركها سابقاً. لكن صحيح، هذا الهيكل موجود بالفعل. لحسن الحظّ، ما زلتُ أكتشف فيلمي من جديد (يضحك). شخصياً، أعتقد أننا نحن صانعي الأفلام ألدّ أعداء أفلامنا. لأننا نميل إلى إضفاء الكثير من الوضوح أو البلاغة على صورنا، مما يُفرغها من روحها. في البداية، ترتبط الصور باللاوعي، سواءً كان فردياً أو جماعياً. لكن عند نقطة معيّنة، نربط الصور ببعضها البعض لتسرد ​​قصّة. وعندما تتبع الأفلام هذا النهج فقط، أي إفراغ الصور من الحياة لخدمة سرد قصصي، فإنها تُصبح باهتة. 

 

بالعودة إلى السؤال، منذ بداياتي، اتسمت أفلامي بميلها إلى النأي بنفسها، والتطوّر والتحوّل داخل ذاتها. ربما تكون هذه طريقتي لمواجهة النوع السينمائي والحداثة. في فيلم "صراط"، نجد هذا التمايز بين أربعة أجزاء: الأوّل، مع الحفل، أقرب إلى الفيلم الوثائقي، والثاني أقرب إلى فيلم المغامرات، والثالث أكثر قسوة مع السقوط والتيه، أمّا النهاية فهي هذا العبور وهذا الخروج من الجحيم.

 

مع شريكي في الكتابة (سانتياغو فيلول)، حاولنا الابتعاد عن قواعد كتابة السيناريو والبنى الدرامية الكلاسيكية، لإفساح المجال أكثر لللاوعي. تعطي العديد من الأفلام انطباعاً بأنها كُتبت بواسطة الذكاء الاصطناعي؛ فهي مثالية للغاية، خالية من أيّ شائبة. تفتقر إلى الحياة. تحاول كتابتنا إبراز الجوّ العاطفي، أشبه بتأليف موسيقى الأوبرا، مع إيقاع هادئ هنا، وإيقاع سريع هناك، وهكذا. هذا لا يمنع سيناريو "صراط" من أن يكون نموذجياً إلى حدّ كبير. إنه قصير جداً، 50 صفحة فقط، وحواره قليل. لكن ما زلت أمتلك حساسية موسيقية طاغية في كتابتي. إنه فيلم كدتُ أكتبه وأنا أرقص. على حلبات الرقص، كانت الصور تملأ ذهني؛ كنت أستمتع بها وأطوّرها. لذا، تربطني علاقة حِسّية عميقة بالصور والمَشاهد، لكنني ما زلت أعتقد أنني أصنع أفلاماَ تهدف إلى التعبير عن الكثير. ثمة توازن في الممارسة الفنية، بين التصريح والاستحضار، بين الطاقة الذكورية والأنثوية. أحياناَ أرغب في أن أكون أكثر أنوثة، غموضاً، باطنية، متعدد المعاني، لكن التوازن ضروري. توازن بين الأرض والسماء.

  • في ما يتعلّق بالموسيقى والصوت عموماً، تستخدم صوت البايس والاهتزازات بطريقة تؤثر في المشاهد جسدياً. قد تسبّب الاهتزازات الصوتية شعوراً بعدم الراحة، لكنها تحمل أيضاً خصائص علاجية. يستكشف الفيلم هذا الجانب. كيف تعاملت مع تشبّع الصوت وتأثيره الجسدي في  الجمهور؟

 

صحيح أن هناك تشبّعاً كبيراً، لكنني أشعر أحياناً أن "صراط" يقول أشياء أو يُنتج مؤثرات بعيدة كلّ البعد من شخصيتي أو ممّا كنت أرغب في خلقه في الأصل. كان منهجي البدء بشيء بدائي، قديم، ثم الانتقال نحو شكل أكثر روحانية وقدسية وباطنية. الموسيقى الإلكترونية تسمح بذلك، بنوع من التسامي. لكن الموسيقى إحدى الطرق التي يفهم بها المتفرّج أن هذا الجحيم الذي تمرّ به الشخصيات ضروري. إنها تفصلنا نسبياً عن الألم، وتمنحه معنىً وبُعداً ميتافيزيقياً. تسمح برحلة داخلية صعبة ومظلمة، لكنها تنتهي بمكافأة.

 

أما بالنسبة للجانب الحسّي الجسدي للفيلم، فقد أردتُ أن يرقص المتفرّج أمام "صراط". إنه أشبه بإسقاط للعقل، لأن الناس لا ينهضون في السينما للرقص، لكن الشعور حاضر. عندما أعيد مشاهدة الفيلم، أشعر بجسدي يتحرّك. ثمة لغز في العلاقة بين الصور وعمليات الأيض البشري، وهو أمرٌ أرغب في استكشافه من خلال صناعة الأفلام. علمياً، نعلم أن هناك مستويات أخرى للإدراك إلى جانب المستوى العصبي. فنحن نختبر الفيلم أيضاً بمعدتنا، وآذاننا، وجلدنا، وقلوبنا، وما إلى ذلك. وما أسعى إليه دائماً منح المتفرّج تجربةً مذهلة، أو على الأقل جعله يتحرّر، إطلاقه في الفراغ حتى تتكشّف أمامه مغامرة حسّية شاملة.

Image-1771570100
عمل يتأرجح بين النشوة والهزيمة، كما لو أن كلّ لقطة معلّقة على حافة هاوية
  • "صراط" فيلمٌ معاصر للغاية لانبثاقه من السياق الراهن ويطرح العديد من القضايا ذات الصلة (كالبيئة، والخوف من الحرب، وغيرها)، لكنه في الوقت نفسه يطوّر جمالية خالدة، لا سيما من خلال أجواء الصحراء والإشارات إلى أفلام المغامرة والسينما الحسّية...

 

أرى أن هناك عالماً مادياً وعالماً "خفياً" كامناً تحته، يلامس الروحانية والفنّ على وجه الخصوص. يحاول الفيلم توحيد هذين البُعدين، وتفكيك مفاهيم السببية والزمان والمكان. إنه فيلم ذو طابع سريالي وروحاني. يتضمّن مغامرة حقيقية، واستحضاراً لأنواع سينمائية مختلفة، مع سرد واضح، ومسار مليء بالعقبات، وما إلى ذلك. ويمكن للمتفرّج أن يبقى عند هذا المستوى من التأويل، ناظراً إلى "صراط" كفيلم مغامرات فحسب. لكنه يتكشّف أيضاً في أبعاد أخرى، وجودية وميتافيزيقية. الموسيقى وتأمّل المناظر الطبيعية أدوات تُمكّننا من استكشاف هذه الأبعاد. أنا شخصياً مهتمّ جداً بالروايات البطولية التأسيسية في مختلف الثقافات، مثل ملحمة جلجامش أو البحث عن الكأس المقدسة. وهذه كلها قصص تروي طقوس العبور، التي تلامس شيئاً عالمياً يمكن للجميع أن يتفاعل معه.

 

  • بعيداً من الكوارث البيئية وخلفية الحرب، تبرز شخصية اللاجئ في الفيلم، لا سيما في المشاهد الأخيرة، مع القافلة التي تنقل الناجين عبر الصحراء. هل ينبع دمج هذه القضايا في فيلم "صراط"، مع ربطها أيضاً بأبعاد أسطورية ونفسية ووجودية، كنوع من خيبة الأمل، أو اليأس من العالم الحالي؟

 

رغم كل شيء، أنا سعيد بوجودي في العالم الذي أعيش فيه. أنظر إلى المستقبل بواقعية وأمل، لشعورٍ داخلي بأن السيناريو (الإلهي أو الكوني) مكتوب جيّداً، حتى وإن كان غير منصف أحياناً. لكني أؤمن أن لكلّ شيء حكمة، وأن الحياة وعقباتها ستجبرنا على إعادة اكتشاف إنسانيتنا. لديّ إيمان بذلك. 

 

بالعودة إلى الفيلم، أؤكّد أن محاولة المخرج قول الكثير أمرٌ خطير. وفي "صراط"، أعتقد أنني رغبت بالفعل في قول الكثير. هناك وفرةٌ من المعاني، مما يدفعني إلى كبح جماح نفسي عن الإفراط في التأويل. لكنني، على أيّ حال، أشعر بآلام العالم، وهذا يظهر بشكلٍ طبيعي وعفوي. يمكن أن يكون هناك العديد من التأويلات للقطار في المشهد الأخير وعناصر أخرى من الفيلم. هناك مشهد آخر، على سبيل المثال، يمكن أن يكون غامضاً أو مفتوحاً لتأويلات متعددة: المشهد الذي يسمع فيه الأبطال عن الحرب والوضع السياسي على الراديو ويغلقونه. يعتقد بعض المتفرّجين أنهم يغلقون الراديو لأنهم خائفون من الحرب ويريدون الانفصال عن الواقع للبقاء في عالمهم الموازي المنفصل. لكنني أعتقد، على العكس من ذلك، أنها بادرة قبول، وأنهم كانوا على دراية تامّة بالواقع لفترة طويلة، وأنهم ليسوا بحاجة إلى سماعه مرة أخرى. إنهم مستعدون بالفعل لإعادة الضبط، لإعادة تنظيم العالم. وأنا أيضاً أشاركهم هذا التوجّه إلى حدّ ما. أنا من أولئك الذين ينتظرون مرور الأمور وحدوث التغيير.

 

  • في فيلمك "ستأتي النار" (2019) والذي يتميّز بتصويره لطبيعة غاليسيا الساحرة، ويركّز على موضوعات الحريق، الاندماج، والعودة إلى الجذور في إطار سينمائي تأمّلي – المحرّر... ذكرتَ أن أحد دوافع الفيلم الرئيسة كان إحباطك من حرائق غاليسيا وكيفية التعامل معها. لذا، كان الفيلم ردّ فعل على ذلك. ألا يوجد شيء مشابه في فيلم "صراط"؟

     

كان هذا بالفعل جزءاً من الدافع وراء فيلم "ستأتي النار"، ولكن ليس هذا فحسب. كان هناك أيضاً، وقبل كلّ شيء، افتتان بالنار وجمالها. في ما يتعلّق بالحرائق، فقد كثرت مجدداً هذا الصيف، ودائماً ما يكون هناك إحباط. لكنني أشعر بشكل متزايد أن هذا الإحباط وسيلة للتهرّب من مسؤوليتنا كمجتمع وإسقاطها على الآخرين. أمّا بخصوص فيلم "صراط"، فأعتقد أنه لا شيء أكثر سياسية من الشعرية. إذا كان "صراط" يدفع المتفرّج نحو التأمّل والاستبطان، فلا يمكنه إلا أن يربطه بالعالم. لكن تصعب معرفة ما إذا كان الفيلم يعبّر حقاً عن عصره لحظة عرضه. سيتعيّن علينا إعادة النظر فيه بعد 20 عاماً مثلاً وطرح السؤال على أنفسنا مرّة أخرى. لأن الأمر يعتمد على عوامل كثيرة، على كيفية تطوّر الأمور، وعلى كيفية تموضع الإبداعات الفنية الأخرى ضمن تلك الحقبة، وما إلى ذلك. صنعنا هذا الفيلم بقصد عكس ثقافة معيّنة في زمنٍ محدّد، لكن مدى تحقّق ذلك فعلاً خارج عن سيطرتنا. ربما يُنظر إلى الفيلم باعتباره قيامياً apocalyptic أو قاتماً جداً... سنرى.

 

  • منذ عرض فيلم "صراط" في مهرجان كانّ، أشار كثيرون إلى مراجعه وإيماءاته، من سينما فيرنز هيرتسوغ وأفلام مثل "ساحر" لويليام فريدكين، إلى أفلام "ماد ماكس" لجورج ميلر. هل فوجئت بهذه المقارنات؟

 

لا، لم يفاجئني شيء حقاً. لقد عملت مع معظم الأفلام والمخرجين المذكورين. لكنني استخدمتهم بشكل أساسي لاستكشاف النوع السينمائي وإدارة التشويق. لم تُساعدني هذه الأفلام في الجانب الوجودي، لأنها ليست أفلاماً ذات بُعد ميتافيزيقي. على هذا المستوى، كنتُ أكثر اهتماماً بأفلام تاركوفسكي، مثل "ستالكر" أو "نوستالجيا". كما وضعنا في اعتبارنا السينما الأميركية في السبعينيات. أفلامٌ نجحت في تجسيد مخاوف تلك الحقبة ورغبتها في التغيير، مثل فيلم "زابريسكي بوينت" لمايكل أنغلو أنطونيوني، و"أبوكاليبس ناو" لفرانسيس فورد كوبولا، و"إيزي رايدر" لدينيس هوبر، و"تو-لين بلاكتوب" لمونتي هيلمان. أردتُ إيجاد توازن بين كلّ هذه التأثيرات، بين كلّ هذه الأنواع السينمائية المختلفة. لكنني أتقبّل جميع المقارنات برحابة صدر. ما يُعجبني في السينما أنها فنٌ شعبي، يُتيح لك الجمع بين العديد من التأثيرات في آنٍ واحد، وخلق مزيجٍ فريد.

 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث