​12 سنة على رحيل أنسي الحاج... ذكريات اللقاء الأول

إيلي الحاجالخميس 2026/02/19
Image-1771442984
الحاج: الكراهية تعبير عن جهل الآخرين (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

مثل هذا اليوم من سنة 2014 رحل أنسي الحاج. قبل أن أستيقظ تماماً، استمعتُ إلى أغنيته المفضلة "يا حلو شو بخاف إنّي ضَيّعك"، وخُيّل إليّ أنّي أسمع صوته وضحكته. يحصل لي ذلك أحياناً مع أهلي وبعض الذين أحببتهم.

 

​مشاهد تلو مشاهد تتدفق في ذاكرتي. في لقائنا الأول، أواخر سنة 1978، كان هو في الحادية والأربعين وأنا في الثامنة عشرة. طرقتُ الباب، فتح وأذكر دهشته حين رآني؛ عرّفته بنفسي فدعاني بلُطف إلى الدخول. كان وحده، ليس في منزله بل في منزل جيرانه بالطبقة الأرضيّة، بعدما أعطوه المفتاح ونزحوا عن الأشرفية التي كانت تتعرض، بين وقت وآخر، لقصف شديد من جيش حافظ الأسد. أخبرته أنني لست من مسقطه "قيتولي" كما قد يتبادر إلى ذهنه، بل من جبيل؛ وُلدتُ وعشتُ في بيروت، أدرس البكالوريا في ثانوية رسمية، وأبحث عنه عبثاً منذ سنوات.

​سألني كيف عرفتُ به وهو المعتكف عن الكتابة منذ مدة؟ أوضحتُ له أنني شعرت بدوار حين قرأت مقالة له في ملحق "النهار الثقافي"، كانت عبارة عن محاضرة في مدرسة بدأها بالإعلان عن كرهه للمحاضرات والندوات وهربه منها، وحضّ فيها الطالبات على رفض البشاعة وعلى التمسك بالحياة والحرية.

 

​كانت جارتنا قد وضعت صندوق كرتون أمام باب منزلها، مليئاً بأعداد من "الملحق" و"المدار" السوفياتية، بعد وفاة زوجها المثقف الشيوعي؛ فحملت الصندوق إلى بيتنا في الطبقة الأعلى. هكذا تعرفت على أنسي. وبعد تلك الواقعة التهمت كل مقالاته في "الملحق" وأشعاره في مجلة "شعر" في المكتبة الشرقية لليسوعيين. لم أقرأ قبله لأحد كتابات تشبه ذلك السيل من الثورة والصدق والحب.

​لم أخبر أنسي أن الوصول إلى المكتبة الشرقية، فوق "مسرح مونو" حالياً، كان مجازفة؛ فالشارع مكشوف للقنّاصة، والعشرات سقطوا فيه، لكنني كنت أطمئن عندما ثبّتوا فيه "حاويات" متلاصقة على نحوٍ متعرج، أعبر خلفها بسلام. عدا مرّة، انهمر فيها الرصاص وأنا في منتصف الطريق الواسع في التباريس، فقفزت أمتاراً في الهواء وأصبت بشعر في قدمي استلزم "الجبس". وبالرغم من أهوال الحرب، لم يساورني قلق على حياتي؛ كنت مقتنعاً، بيقينٍ غير واقعي، بأنني سأخرج منها حياً لأنني محظوظ، أو لأنني كنت أعيش في عالم ميتافيزيقي لا يعنيه في العُمق ما يدور حوله، بل كان خوفي دوماً على الآخرين.

 

​كل معارفي الذين ذكرت أمامهم اسم أنسي الحاج لم يسمعوا به. مرة اتصلت من دكان الحيّ بجريدة "النهار" أسأل عن مكان إقامته، فأجابني عامل الهاتف باقتضاب: "إنه في باريس" وأقفل الخط. لاحقاً علمت بالمصادفة من أحد شبان الجميزة أنه مقيم قرب ساحة ساسين، قال لي: "اسأل عنه صاحب الدكان المجاور يدلك على بيته". مشيت فوراً، وها قد وصلت.

​كان يجب أن أوضح سبب الزيارة، أو بالأحرى أن أقول شيئاً. في العمق لم أكن أريد سوى أن أراه بشحمه ولحمه، فلا يبقى كائناً خيالياً في ذهني. صافحته فتأكدتُ أنه موجود حقاً. سألت الأستاذ أنسي: "لماذا توقفت عن الكتابة؟ ربما لو واصلتَ لتوقفت الحرب". فأجابني بمرارة: "أنا مرطبان فارغ، طبل فارغ، مثلي مثل صرصور، نموت في الشارع إذا سقطت علينا قذيفة. هل أكتب أن الحرب تحوّل البشر حشرات؟ الناس محتاجة إلى أمل، وإذا لم يكن الكاتب قادراً على منحهم إياه، فعليه ألّا يكتب".

 

​تحدث معي طويلاً عن الحرب؛ قال إن الكراهية تعبير عن جهل الآخرين، وإنه يحب المسلمين لأنهم أناس طيّبون ومظلومون في دولهم. أما المسيحيون في لبنان، فما زالت تسكنهم آثار الرعب والمهانة التي عايشوها في الحرب العالمية الأولى. ويا للأسف نشأ جيل جديد في هذه البلاد لا يعرف بعضه بعضاً. ووصف حافظ الأسد بالمجرم الأكبر في حق لبنان وسوريا والشرق؛ الديكتاتور الذي يقتل بلا أدنى مشاعر.

​قال: "إذا أحكَمَ حافظ الأسد سيطرته، فسيصير حب لبنان تهمة يُعاقب عليها القانون". وأضاف ضاحكاً بلهجة سورية: "بتحب لُبنان وْلاه؟".

طرح عليّ فكرة لم أجد لها جواباً حتى اليوم: "ماذا لو كانت أوروبا مُسلمة والشرق مسيحياً؟ كيف ستكون صورة العالم؟". نسيت جوابي، لكنني أذكر قوله إن أعظم ما قدمته المسيحية للعالم هو موسيقى القداديس الإلهية لتشايكوفسكي ورخمانينوف وموزارت، ورسوم الكاتدرائيات والتماثيل؛ أعمال مايكل أنجلو، وبرنيني، ودا فينشي.

 

​فجأة، أرعد القصف في مكان قريب، الأرجح صوب فرن الشباك. وقفت واستأذنت. سألني: "كيف سترجع إلى الجميزة؟". "ركضاً"، أجبته. وعلى العتبة ودّعني بقلق: "سينشغل بالي".

​وحتى شهرين قبل رحيله، لم تُحصَ لقاءاتنا. وكانت تفيض بضحك من الأعماق، ودمع أحياناً، وبحر يغمرني به من ثقافة وأفكار وحُنوّ.

12 سنة مرّت؟ يا إلهي!

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث