توفيت الدبلوماسية الفلسطينية السابقة، ليلى شهيد، الأربعاء 18 فبراير/شباط، عن عمر ناهز 76 عاماً، حسبما أعلنت عائلتها لصحيفة "لوموند" الفرنسية. وشكلت شهيد لعقود رمزاً للنضال دفاعاً عن شعبها وأرضها، حيث كرّست حياتها من أجل فلسطين، وكانت الوجه والصوت الفلسطيني في فرنسا.
شغلت شهيد منذ العام 1993 مناصب في إيرلندا ثم في هولندا والدنمارك، وعُيّنت مندوبة عامة لفلسطين في فرنسا، وطوال تلك الفترة جسّدت القضية الفلسطينية بذكاء وشغف، ما جعلها محاورة لا غنى عنها للسلطات العامة الفرنسية، وضيفة دائمة الحضور في وسائل الإعلام، مستخدمة لغة فرنسية رفيعة. كما شاركت ليلى شهيد في العديد من المؤتمرات العلمية التي تناولت القضية الفلسطينية من كافة جوانبها في الجامعات المختلفة.
عرفت ليلى شهيد معنى المنفى منذ طفولتها؛ فهي المولودة في بيروت في 13 يوليو/تموز 1949 بعد شهور قليلة على النكبة. وكان والدها منيب شهيد، الطبيب الشهير. ووالدتها، سيرين الحسيني، من أنصار الحركة الوطنية الفلسطينية، وقد نُفيت إلى لبنان منذ منتصف ثلاثينيات القرن الماضي. وتتحدر ليلى من عائلة مقدسية بارزة، حيث ترأس جدّها بلدية القدس بين العامين 1906 و1909، كما كان جدّها الأكبر نائباً في البرلمان العثماني.
في بيروت درست ليلى شهيد علم الاجتماع والأنثروبولوجيا في الجامعة الأميركية، وهناك انخرطت باكراً في النشاط الاجتماعي والسياسي داخل مخيمات اللاجئين الفلسطينيين. وبدأ وعيها السياسي يتشكل إثر هزيمة العرب في حرب 1967، ما دفعها للانضمام لحركة فتح بقيادة ياسر عرفات، ومنظمة التحرير الفلسطينية. كانت رسالتها للماجستير عن مخيم برج البراجنة. وفي باريس التي سافرت إليها للدراسة، تولت رئاسة الاتحاد العام لطلبة فلسطين فرع فرنسا من 1975 حتى 1976، فكانت أول امرأة تتولى هذا الموقع. كما رافقت الكاتب الفرنسي جان جينيه إلى مخيم شاتيلا في أيلول 1982 ليشهد آثار المجزرة، وهي زيارة ألهمته كتابه "الأسير العاشق".
في العام 1989 كانت ليلى أول امرأة فلسطينية تُعيَّن ممثلةً لمنظمة التحرير الفلسطينية في إيرلندا، قبل أن تُنقل العام 1990 ممثلةً للمنظمة في هولندا حتى 23/8/1993 حينما أصبحت سفيرة لدولة فلسطين لدى فرنسا والمندوبة الدائمة لفلسطين في اليونيسكو حتى العام 2005. وبين 2006 و2014 أصبحت المندوبة العامة لدى الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى بلجيكا ولوكسمبورغ.
وخلال هذه المسيرة، قدّمت نموذجاً بارزاً للديبلوماسية الفلسطينية النسائية، حيث مزجت بين السياسة والثقافة، معتبرة أن الثقافة هي "أساس السياسة"، وهو توجه أثار انتقادات في أوساط مؤيدة لإسرائيل، بلغت حد مطالبة رابطة فرنسا‑إسرائيل وزارة التربية الفرنسية العام 2005 باتخاذ موقف من محاضراتها في المدارس، ووصفتها بأنها "دعاية فلسطينية".
وفي جريدة "السفير" يذكر الباحث صقر أبو فخر واقعة عن أهمية ليلى شهيد: "كان مشهد الرئيس جاك شيراك على درج الأليزيه، وهو ينحني ليهمس في أذن ليلى شهيد بعض الكلمات، مدعاة للعجب والتساؤل: ماذا قال الرئيس طويل القامة للسفيرة القصيرة في أثناء وداع الرئيس ياسر عرفات؟ من أين جاء هذا الود المتسربل بالاحترام بين الرئيس والسفيرة؟ كانت ليلى شهيد قد تقدمت باستقالتها الى الرئيس عرفات لأسباب تتعلق بالتدخلات المتتالية في شؤون عملها، وعندما علم الرئيس شيراك بذلك طلب من عرفات إعطاءه ورقة الاستقالة. وعلى درج الأليزيه أخبرها هامساً أنه مزّق بنفسه كتاب الاستقالة. تُفصح هذه الحادثة عن التقدير الكبير في الأوساط الفرنسية للمرأة العربية الوحيدة في نادي الدبلوماسيين العرب في باريس". وكشفت ليلى شهيد سبب اعتزالها العمل السياسي والدبلوماسي في مقابلة أجرتها معها مجلة "جون أفريك" الفرنسية، وقالت إن ذلك يعود ليأسها من دور المجتمع الدولي.
وكانت حاضرة أيضاً في الوسط الثقافي العربي، إذ جمعتها صداقات وثيقة مع مفكرين وأدباء كبار، مثل المفكر إدوارد سعيد والروائي إلياس خوري والشاعر محمود درويش، الذي أولته عناية خاصة خلال إقامته في باريس العام 1995، بل أسهمت في إنقاذ حياته العام 1998 حين أدركت بحسّها الطبي خطورة وضعه الصحي وأصرّت على فحصه، ليتبيّن أنه بحاجة إلى جراحة عاجلة.
ليلى شهيد جمعت إلى ذائقتها الفنية الرفيعة، شغفها بالأدب والمبدعين، فضلاً عن حنكتها السياسية وقدرتها على الحوار ومساجلة الخصوم. وفي سياق عملية السلام، خاطبت العقل الأوروبي بالمفردات التي يمكن ان تتسلل إلى سريرته وعقله فقالت: "لن تكون هناك إسرائيل من دون فلسطين، ولا فلسطين من دون اسرائيل. نحن وجهان لعملة واحدة. إننا مرتبطون بحبل سرّي يجعل تاريخنا أقرب الى تراجيديا اغريقية. لقد تبادلنا الرفض خلال سنوات طويلة، وينبغي الآن أن يقبل بعضنا البعض الآخر". أما فلسطين، فبقيت حاضرة في وجدانها عبر حكايات والدتها عن المدينة الأولى، وقد دوّنت تلك الذاكرة في كتابها "ذكريات من القدس"، لتبقى السيرة الشخصية عند ليلى شهيد امتداداً دائماً لسيرة الوطن.
وقالت ميشال كوللري التي أخرجت الفيلم الوثائقي "فلسطين إلى الأبد" أن "صوت ليلى شهيد كان يأتي إلي دائماً من الإذاعات. كنت أستمع إليها وهي تتحدث عن القضية الفلسطينية وأحببت أن أضع صورة لهذا الصوت". وكانت المخرجة زميلة جامعية في فرنسا لعز الدين قلق، مندوب فلسطين في باريس في السبعينات، وشاركت وتظاهرات خلال تلك الفترة دعماً للقضية الفلسطينية. وقالت إنها عندما قرأت كتاب "ذكريات من القدس" لسيرين الحسيني، والدة ليلى شهيد الراحلة، رغبت في إنجاز عمل وثائقي عنها. أضافت المخرجة أن الفيلم يصور "الطبقة البورجوازية الفلسطينية المتمثلة بعائلة ليلى، والتي نسينا وجودها وأغفلت تماماً، كما نُسيت بيوتها الجميلة الرائعة التي تغري بأن نذهب اليها ونصورها، وهو ما فعلناه".
وكانت ليلى شهيد زوجة الكاتب المغربي محمد برادة.




