افتتح غاليري Art on 56th معرضًا مشتركًا للفنانتين لونا معلوف وجنيفر حداد بعنوان "بين الأرض والشاهد" في 30 كانون الثاني في بيروت. يتناول المعرض وعي الفنانتين بالشرخ العميق والتهميش في المجتمع في منطقة تتعرض للحروب والدمار والمحو. يأتي معرضهما كفعل مقاوم للاختفاء وتثبيت للوجود.
تحتضن امرأة نفسها وتغفو بهدوء بين أشجار أحاطتها مع أبنية بيروت الشاهقة وشرفات أبنيتها التراثية القديمة. تطلّ الشمس من بين الأشجار لتكون الأمل بعد الانكسار الذي لا تخفيه الفنانة اللبنانية لونا معلوف. تتعلّق بيوت هشة بين الأرض والسماء في لوحات الفنانة جنيفر حداد. أركانها غير مرئية. بيوت أخرى معمّرة بفوضى فوق بعضها، ربما لتتكئ على حنان سلبته ظروف الحياة منهم ومن ساكنيهم.
"تعمّر" الفنانة لونا معلوف لوحاتها بطريقة رسمها. إذ تعتمد الرسوم التمهيدية (Croquis)، صورًا فوتوغرافية التقطتها بنفسها، والألوان الزيتية. لكن الخلط بين هذه الأنواع على لوحاتها ينساب بتناغم ماهر ومتجانس.
للمرأة حضور واضح في رسوم معلوف. فهي بتكوينها، كما عبّرت لـ"المدن"، تمثل لها الشفاء والوحي، وأكثر ما يعطي التوازن في الحياة ويجعل المرء "يقف على قدميه". في إحدى لوحات معلوف، ابنة الفنان اللبناني ألفريد معلوف، تجلس امرأة على الكنبة وتنظر إلى شرفات وشبابيك بيروت التراثية. أما في لوحة أخرى، تتوسط المرأة بنعومة تكاوينها الأبنية الحديثة والقديمة.
تجمع الفنانة معلوف حداثة لبنان وتراثه بتوثيقهما، فهي تحافظ على جذورها اللبنانية التي دائمًا ما تعود إليها. وترى أن لبنان مليء بتناقضاته على كل الصّعد مما يزيده غنًا وتؤمن أنه دائمًا ما يستطيع أناسه أن يجدوا القوة والتوازن.
"بين الجذور والخطوط"
تمثل الجذور لمعلوف، التي درست في جامعة سيرجي الباريسية، الهوية، وتأخذ على عاتقها كفنانة، توثيقها والحفاظ عليها. أما الخطوط فهي المستقبل. تشرح لـ"المدن":" الشجرة إذا لم تملك جذوراً، لا تستطيع الامتداد عاليًا. وعندما تعلو كثيرًا نصل إلى الحرية التي نطمح إليها". وتؤمن بأن الطبيعة وتجدّدها هما ما يخلق التوازن لدى الإنسان ويرمّم انكساره. فما مرّ به لبنان في السنوات الخمس الأخيرة تظهره بألوان قاتمة وربما هو ما تعنيه بالأبنية المقلوبة.
الانكسار لمعلوف يتمثل في خطف الأحلام أو الشعور بأنها ممنوعة. فرؤية بيت مهدّم وتصوّر ما خسره ساكنوه من ذكريات فيه، مشهد جدُّ حزين لها. خصوصاً أنَّ ما يكوّن علاقتها المرهفة والخاصة مع الأمكنة هي الذكريات والناس وما تعيشه فيها، وكذلك الرائحة. وما زال بيت جدّ لونا حاضرًا حيًا في ذاكرتها بكل تفاصيله وروائحه. يستعيد العالم توازنه بين المرأة والطبيعة، فكل منهما مفعمة بالحياة والتجدّد. لوحاتها حالمة بألوانها وأطيافها وخطوطها وظلالها. تعكس برسمها رهافة شعورها ورقّتها الإنسانية انطلاقًا من الانكسار والتوق للحرية.
جنيفر حداد
بألوان فرحة ترسم الفنانة اللبنانية جنيفر حداد التهميش الاجتماعي في الأحياء والمخيّمات المنسيّة. الفوضى عارمة في بعض لوحاتها بمعانٍ غنية ورسائل هادفة. تهدف إلى جذب نظر الرّائي بألوانها الزاهية والالتفات لموضوع لوحاتها من دون خلق شعور الشفقة. ترسم حداد لتبطئ الوقت كما تقول "للمدن"، ولتوثّق. تهدف من ذلك إلى خَلقَ مساحةٍ للناس لتسأل وهي تنظر إلى لوحاتها. فقد عايشت حداد التهميش أثناء عملها في السينما، حيث أمضت أوقاتًا طويلة في المخيمات والأحياء المنسيّة. لمست كيف يعيش مجتمع معيّن التهميش. واختبرت كيف أن الإنسان الفقير هو الأكثر كرمًا، ومَن لا يملك شيئًا هو الأكثر عطاءً.
عايشت حداد قصصًا لا تُصدَّق، كأن يُجبَر أهلٌ على تزويج ابنتهم ليسدّدوا تكاليف جنازة ابنتهم المتوفاة. فرسمت فتاتين بجدائلهما الملوّنة وكيف يتم عرضهما أمام الرجال ليُصار إلى تزويجهما غصباً، عنهما و عن أهلهما، لكن ظروف الحياة القاسية لم تترك خيارًا آخر.
وفي لوحة رقيقة، رسمت حداد صبيَين رأتهما مرة يستلقيان على شاطئ بصخور خشنة توجع المستلقي. وضع كل منهما يد الآخر تحت خدّه ليس للوقاية من خشونة الصخر فحسب، بل من الحياة. استطاعت إعادة إنتاج اللحظة بعد خمس سنوات من رؤية المشهد الذي بقي عالقًا في ذهنها. وفي لوحةٍ ثالثة، لا تكفي إضاءة شمعة واحدة للقديس مار شربل أو السيدة العذراء للشعور بالأمان. تُعلَّق الصور وتُنشر كيفما اتفق ربما أملًا في أن تُسمع الدعوات وتُستجاب الصلوات. التسلّح بالإيمان لبعض الناس هو الخلاص وشمعة الأمل للصمود أمام معارك الحياة اليومية. ربما هو الشعور أن "الله" وقدّيساته وقدّيسيه يرون ويسمعون ويستجيبون، والأهم: يحضنون ويواسون الأرواح المنهكة.
(*) يستمر المعرض في غاليري Art on 56th في الجميزة، بيروت، حتى 21 شباط/ فبراير 2026.




