ذات يوم في العام الأول من الألفية الجديدة، كنا نجلس في مقهى الروضة بدمشق. مجموعة من الكتاب والشعراء، نلتف حول الطاولة الرخامية، ونطل على شارع العابد المزدحم في فترة الظهيرة، فناجين قهوة وعلب التبغ أمامنا، وأحاديث تمتد بين الشعر والسياسة والحياة.
وفي لحظة ما قلت لأحد الشعراء، وقد غادر عالمنا منذ سنوات، إنني كتبت آخر نصوصي الأدبية على الكومبيوتر. رفع حاجبيه باستغراب وقال بلهجة حاسمة: كيف تكتب شعراً على الكيبورد؟ هذه كتابة بلا إحساس! ودخلنا بعدها في نقاش، كان يقترب في بعض تفاصيله من التمحيص في جدارة الشاعر بالشعر، بينما ثمة آلة تقوم بالتدوين!
بالنسبة إليه، كان الشعر يحتاج إلى يد تتحرك، إلى احتكاك مباشر بين الجسد والورق، إلى بطء يسمح للفكرة أن تتشكل مع انحناءة الحرف أو سوء الخط. الوسيلة كانت جزءاً من الروح. أما أنا وبسبب اهتمام مبكر بالتقنيات، فكنت أرى أن الإحساس لا يسكن القلم ولا لوحة المفاتيح. الإحساس يصدر عن التجربة، عن الرؤية للعالم، وتفاصيل دقيقة في الزاوية الداخلية التي لا تُرى.
مرّت سنوات قليلة، وصار الجميع يكتب على الكومبيوتر. الشعراء أيضاً. ثم انتقل التدوين إلى الهاتف المحمول. واليوم يسجّل كثيرون أصواتهم، وتقوم برامج بتحويل الكلام إلى نص. الوسيط تغيّر، والكتابة استمرت. لم يختفِ الشعر، ولم تجفّ الحساسية، ولم تنطفئ النبرة الشخصية. الذي تبدّل فقط هو الأداة، أما الفعل الإبداعي فظل معلقاً بوعي صاحبه.
هذه الحكاية تعود إليّ كلما سمعت القول إن الذكاء الاصطناعي يهدد الإبداع!
في بيانهما الشيوعي، دوّن ماركس وأنجلز جملة بليغة تقول: "هناك شبح يجول في أوروبا اسمه الشيوعية"، وعلى منوالهما يستطيع العالم اليوم رصد الحالة والقول:
"هناك شبح يجول اليوم في غرف التحرير ودور النشر والجامعات". اسمه الذكاء الاصطناعي. يكتب مقالات، يقترح عناوين، يرسم لوحات، ويؤلف مقاطع موسيقية، ويصنع أفلاماً سينمائية بكبسة زر! القلق الذي يثيره مفهوم، لأنه لا يقتصر على تسريع الصياغة، وإنما يدخل منطقة الإنتاج ذاته. هنا يتبدل السؤال: من يصنع المحتوى؟ وما الذي يجعل النتاج إنسانياً؟
التحليل الهادئ لطبيعة هذه التقنية يكشف أنها تعمل ضمن أنماط. تجمع، تحلل، تعيد تركيب ما سبق أن كُتب. وعندما تُستخدم من دون توجيه واضح، تنتج نصاً متماسكاً، سليماً لغوياً، مقبولاً في بنيته. يشبه النماذج الجاهزة التي تعرضها المطابع، حين يذهب الزبون إليها ليطبع "بروشوراً" ما فيعرضون عليه النماذج الجاهزة: قوالب أنيقة، مرتبة، قابلة للاستخدام الفوري.
في عالم الكتابة: النصوص المتوسطة، المألوفة، المتوقعة، كانت موجودة قبل الذكاء الاصطناعي. لكن الجديد في الأمر هو أن إنتاجها صار أسهل وأسرع. هنا يتحدد موضع الخطر: في المنطقة التي تعتمد على الصياغة المكرورة والأفكار المستهلكة. هذا النوع يمكن تعويضه بسهولة. أما تلك التي تنطلق من تجربة شخصية، من انحياز واضح، من رؤية تتشكل في احتكاك مباشر مع العالم، فهي تتطلب أكثر من تركيب لغوي سليم.
وهنا تظهر مسألة جوهرية: الخطأ البشري. التأليف الإنساني يحمل أحياناً ارتباكاً خفيفاً، جملة أطول مما يجب، استعارة زائدة، انكساراً إيقاعياً صغيراً. هذه الشقوق ليست دائماً ضعفاً. أحياناً تكون أثراً للحظة انفعال، أو دليلاً على تفكير يتشكل أمام القارئ. في هذه الهشاشة يتكوّن جزء من حرارة النص.
الذكاء الاصطناعي يميل إلى الاتساق، والصيغة الأكثر انتظاماً، والجملة المصقولة التي لا تتعثر. هو يقلل العطب، ويقترح النسخة الأكثر استقراراً. أما الإنسان فيكتب وفي رأسه توتره، ومزاجه، وشكوكه، وحماسه، واندفاعه. قد يخطئ، وربما يبالغ، ومن الطبيعي أن يترك علامة غير متوقعة. وفي هذا تتجلى فردانيته.
في غرف التحرير يظهر نوع مختلف من القلق. الحصول على مسودة جاهزة خلال دقائق قد يغري بالاكتفاء، فيتحول دور المحرر من قارئ متعمق إلى منقح لغوي. هنا يتراجع زمن الاستغراق في الفهم والتحري، ويصعد إيقاع الإنتاج السريع. الخطر لا يكمن في الأداة ذاتها، وإنما في الاقتصاد الجديد للوقت الذي تفرضه، حيث يصبح العمق ترفاً، والتأمل عبئاً.
وعلى مستوى اللغة العربية تحديداً، تبدو الحاجة ملحة إلى توسيع الأفق الأسلوبي للذكاء الاصطناعي. العربية لغة متعددة الطبقات، غنية بالظلال الدلالية والإيقاعية، بينما تميل النصوص المنتَجة حالياً إلى معيارية متشابهة، وجمل متوازنة أكثر من اللازم، ومعجم يدور في نطاق محدود. وهذا الاتجاه مستمر، ونحن الآن نشهد نوعاً من تسطيح النبرة وتوحيد الأسلوب، وهو تحدٍّ ثقافي يتجاوز التقنية إلى مسألة الذائقة العامة.
المسألة إذاً ليست في وجود الأداة، وإنما في كيفية استخدامها. حين يُطلب من الذكاء الاصطناعي أن يحلّ محل التفكير، يتحول النص إلى تركيب بلا مسؤولية واضحة. أما حين يُستخدم بوصفه أداة مساعدة، محرّكاً للتجريب، وسيلة لاستكشاف احتمالات متعددة، فإنه يصبح جزءاً من عملية إبداعية يقودها إنسان واعٍ.
التاريخ الثقافي يبين أن كل وسيلة جديدة تمر بمرحلة قلق. المطبعة أثارت الخوف، ثم غيّرت شكل المعرفة. الآلة الكاتبة بدت غريبة، ثم صارت جزءاً من صورة الحداثة. الكومبيوتر قوبل بتحفظ من صديقي الشاعر الراحل، ومن خلفه آلاف مؤلفة من المعترضين، ثم أصبح امتداداً طبيعياً للكاتب. الذكاء الاصطناعي يدخل الآن هذه السلسلة. لم تصل أي من الاختراعات السابقة إلى مرحلة إلغاء الكاتب، لأنها كانت تغيّر الوسيط وتُبقي الفاعل في مركز العملية الإبداعية. القلم، المطبعة، الآلة الكاتبة، والكمبيوتر جميعها أعادت تشكيل طريقة الكتابة، لكنها لم تنازع المؤلف على موقعه بوصفه صاحب الفكرة والرؤية والمسؤولية. أما الذكاء الاصطناعي فيقترب للمرة الأولى من منطقة إنتاج النص ذاته، فيثير سؤالاً مباشراً حول موقع الكاتب وحدود حضوره داخل ما يُكتب باسمه. وعندما يبدأ هذا السؤال بمسّ هويته، يعود النقاش كله إلى السؤال الأعمق: لماذا نكتب؟
إذا كان التأليف مجرد إنتاج نصوص بكفاءة عالية، فإن الآلة قادرة على أداء المهمة بسرعة لافتة. أما إذا كانت محاولة لفهم العالم، لتسجيل أثر تجربة، لترك بصمة شخصية تحمل شيئاً من الارتباك والبحث، فإن الفعل الإبداعي يظل مرتبطاً بوعي إنساني يختبر ويختار ويتحمل مسؤولية ما يكتب.
من مقهى الروضة إلى شاشة اليوم، يتكرر المشهد بصيغة مختلفة. مرة كان القلق من لوحة المفاتيح، واليوم من الخوارزمية. الوسائط تتبدل، ويبقى التوتر نفسه بين الجديد والمألوف. في هذا التوتر تتشكل الثقافة، وتتجدد الأسئلة.
الذكاء الاصطناعي قد يغير إيقاع الكتابة، وقد يعيد توزيع الأدوار، وقد يفرض معايير جديدة. غير أن اللمسة البشرية، بما فيها من هشاشة وخطأ وتردد، تظل العلامة التي تمنح النص حرارة الحياة. وفي هذه الحرارة يكمن الفرق بين تركيب لغوي متقن، وصوت يبحث عن معنى في عالم سريع التحول.




