تحت عنوان Timeless، ولدى غاليري Rebirth Beirut، عرض الفنان محمود أمهز مجموعة جديدة من أعماله، مع أعمال أخرى مختارة تعود إلى فترات سابقة، لكنها تندرج جميعها ضمن الأسلوب الذي عُرف به الفنان. لكن المعرض، في ما يضمّه من أعمال، يشكّل كلاً متماسكاً يتمحور حول الأفكار التي لطالما عمل أمهز على معالجتها منذ فترة ليست بقصيرة.
لا يقارب محمود أمهز مسألة التشكيل من فراغ، كما هي حال من "يتسلّى"، وهم، للأسف، ليسوا بقلّة في هذه الأيام التي تطغى عليها، في بعض الأحيان، لغة الإستسهال. فاللوحة، هنا، إنما تأتي بنتيجة دراسة وتمحيص وغوص في بعض الماورائيات، وسوى ذلك. هذا الأمر ليس غريباً عن الفنان صاحب الخلفية الموزّعة بين علم الأثار وتاريخ الفن، وهو صاحب أكثر من مؤلّف في هذا المجال. فكتابه "التيارات الفنية المعاصرة" يُعتبر مرجعاً مهماً يلجىء إليه طلبة معاهد الفنون عندنا، من أجل الإطّلاع على تلك الحقبة المؤثرة والفاعلة من تاريخ الفن، الممتدة منذ أواسط القرن التاسع عشر وحتى نهايات القرن العشرين.
إزاء خلفية كهذه، عارفة بمختلف النظريات والمدارس والتيارات الفنية، قد يكون من الصعب والسهل معاً اختيار السبيل المناسب، بالنسبة للفنان، من أجل التعبير بالصورة (التصوير) بدلاً من الغوص في الواحي النظرية. لقد اختار أمهز التجريد، لكن هذا الخيار لم يكن محاطاً بالغموض الذي نرى مفاعيله في بعض الأعمال اللاشكلية، فالفنان يتعامل مع اللوحة التشكيلية كمساحة للتأمل، ولتجسيد أفكار معينة، علماً أن كلمة تجسيد لا تصلح تماماً في هذا الموقع لكونها ارتبطت، تاريخياً، بالفن الشكلي الواقعي. هذا الواقع لا يغيب تماماً عن لوحة أمهز، لكنه يحضر من خلال إشارات لم تكتمل، عمداً، طبيعتها الواقعية، كي تصبح على درجة وافية من الوضوح، وهذا ليس هدف الفنان. وإذا كان هناك من انطباعات لدى المشاهد، وهي حاصلة في كل الأحوال لدى من يمتلك معرفة فنية، فإن هذه الإنطباعات سوف تتمحور حول ما تصدره بعض العناصر الهندسية، التي لطالما ميّزت الزخرفة العربية والإسلامية، والتي لطالما اعتبرها الفنان في مؤلفاته نوعاً من التجريد قبل التجريد، أي قبل ظهور التيار الشهير في بدايات ىالقرن العشرين.
وإذ يرتكز العديد من أعمال أمهز على أنظمة هندسية، كما لمّحنا، التي قد تتداخل أحياناً مع بعض معطيات الحروفية العربية، فهي تتحوّل في النتيجة إلى عامل بصري، وإلى عملية بناء للوحة على أسس ثابتة، ضمن الأسلوب الذي يفضّله الفنان. أضف إلى ذلك، أن الحضور البشري يبان من خلال الغشاء اللوني الذي يصنعه الفنان، بحيث أن الإنسان، ككائن وجودي، لا يغيب عن تلك الأعمال. لكن، لا بد من توضيح مسألة محورية، وهي أن ما يصنعه أمهز لا علاقة له بالشأن الزخرفي إلاّ ضمن تلميحات معينة تخدم الهدف التصويري.
ولا يسعنا، هنا، إلاّ أن نذكر ما قاله مايكل دوفرين، الفيلسوف الفرنسي المعنى بالجماليات، والذي يستشهد محمود أمهز بنظرياته في مواقع عديدة في مؤلّفه حول التيارات الفنية المعاصرة. إذ يقول الفيلسوف، في مقال له عن التجريد، حين يقابل بين ما هو زخرفي وما هو تصويري، أن الأول "يبقى تابعاً لما يزخرفه" ويعطي قيمة لشيء آخر خارجه، في حين أن الثاني يتميز بمعناه ومضمونه، واستقلاله عن الحامل الذي ينتمي إليه. وفي حال حصول انتقال من مجال إلى آخر، فقد "يرقى الزخرفي (إذا ما مثّل موضوعاً ذا معنى) إلى التصويري"، لأنّه في مرتبة أعلى منه، بينما "ينحدر التصويري (إذا ما تحوّل نحو التجريد وفقد موضوعه) باتّجاه الزخرفي"، لأنّه في مرتبة أدنى منه. يعني أنّ العمل الزخرفي، مهما بلغ من الدقّة، لا يرقى إلى مستوى العمل التصويري إلاّ إذا تخطّى كونه زخرفياً.
ومنذ البداية، (والكلام التالي ذو علاقة وثيقة، في نظرنا، بأعمال محمود أمهز) يحصر دوفرين فينومينولوجيا التجربة الجمالية في إدراك الشيء الجمالي، أي العمل الفني، متجاهلاً عالم الأشياء الطبيعية أو الأشياء الخيالية البحتة، المعرضة دائمًا لتلويث المعاني الجمالية بقيم مختلفة تمامًا. كما يحدث اختزال فينومينولوجي أولي منذ البداية، يمنح إدراك الأعمال الفنية القدرة على استيعاب الجوهر الجمالي عمدًا في نقائه الكامل: "الشيء الجمالي هو العمل الفني المدرك كعمل فني، العمل الفني الذي يحصل على الإدراك الذي يطلبه ويستحقه، والذي يتحقق في وعي المشاهد.
على هذا الأساس الإدراكي، يسعى الفيلسوف أولاً إلى تسليط الضوء على غموض العمل الفني، الذي يمتلك، من جهة، معنى تشكيليًا يُظهر بنية مادية، ولكنه، من جهة أخرى، يعبر عمّا تُقدّم لنا هذه الأعمال من علاقةً فريدةً بالعالم، تدعونا لمشاركتها مع المؤلف، من خلال نقل رؤيةٍ مُرتبطةٍ بلغةٍ إيمائية. تُشير الأشكال المُدرَكة إلى مُرادفاتٍ لإيماءاتٍ تشكيليةٍ فريدة، كإيماءات الرسام أو النحات، وكذلك إيماءات التأليف الموسيقي، أو الإيماءات اللفظية للشاعر. هذه الديناميكية تحديدًا هي ما يدعونا العمل لاستيعابه أولًا من خلال البصر أو السمع، وهذا ما يجعل العمل، كما يُعبّر عنه السيد دوفين مرارًا، "شبه ذات".
لا يتعلق هذا الشعور بالمتعة، التي تتسلل إلى إدراكنا لدى معاينة أعمال أمهز، سوى من إدراك القيم الجمالية البحتة، كالجمال باعتباره "لعبة حرة للخيال" على سبيل المثال. إن هذه المشاركة، وهذا التبادل بين عمق العمل والعمق الذاتي، إنما يتحقق في الواقع من خلال المشاركة، شريطة أن نتوحد مع العمل الفني بما يكفي لنعيد اكتشاف تلك الحركة التي من خلالها يكون العمل نفسه.




