الكتب عن الشاي كثيرة، كما هو الأمر عن القهوة المنافس الرئيسي في الفضاء العام، ومن بلد لآخر، وبين فئات المجتمع. وتحتفظ الكتب القديمة التي صدرت قبل أكثر من قرن بقيمة خاصة نظرا لأن هذا المشروب لا يزال يحتفظ بسحر خاص، ولم يفند العلم الكثير من الأساطير والخرافات التي احاطت به، ولذا يمكن قرائتها كروايات أو رحلات في عالم النبتة التي جاءت من أقاصي قارة آسيا من الصين، لتصل إلى كل العالم، وتصبح قاسما مشتركا بين الشعوب كافة.
من بين الكتب التي تتناول حكاية نبتة الشاي ذلك الذي كتبه فرانسيس ليغيت تحت عنوان "تاريخ الشاي" وصدر في نهاية القرن التاسع، ولكنه لم يصل إلى اللغة العربية إلا في وقت متأخر، حيث صدر حديثا عن "دار نينوى" في دمشق بترجمة كرام الصابوني، وجاء في المقدمة تبيان الهدف الذي حرّض الدار على ترجمة هذا الكتاب الصغير الحجم، بأنه عبارة اعادة بعث نص منسي تأملي، حول الشاي، بوصفه موروثا انسانيا مشتركا، لا يقل عن القهوة في اثره الثقافي والحضاري، ولا عن الكتب والموسيقى فيما يمنحه من عزلة حميمة، أو لحظة صفاء.
يصف الكاتب الشاي في الفصل الأول بأنه مادة لها إثر مستمر وواسع في خدمة الانسان وسعادته، وهو يستحق مكانة مرموقة بين تلك الوسائل التي اسهمت في رفاه البشر وصفاء عيشهم. ويتناول التحولات التي شهدها الشاي منذ اكتشافه، فعلي سبيل المثال أن نصف ما كان يستهلكه العالم حتى منتصف القرن التاسع عشر كان يأتي من الصين واليابان رغم أن الهند مهده الأول، وبعد نصف قرن من ذلك صار نصف الشاي المستهلك عالميا يزرع ويحضر في أراض تابعة لبريطانيا على مزارع يملكها ويديرها انجليز اتقنوا ادق تفاصيل هذه الصناعة، بينما معظم ما يشرب في بريطانيا من شاي هو من انتاجها المحلي ولم يستهلك في هذا البلد كمشروب يومي ولا حتى في بلاط العائلة المالكة إلا بعد عام 1650، وحسب المؤرخ "ماكولي" في كتابه "تاريخ انكلترا" أصبح الشاي مشروبا راقيا في اوساط الباريسيين، ثم خرج من دائرة الاهتمام قبل أن يعرفه سكان لندن، وقبل ذلك اعتاد الانجليز احتساء منقوع الميرمية على أساس أنها تحفز نمو الشعر والبرقوش البري والسلو او الزعرور الاسود، إضافة إلى مغلي لحاء شجرة "الساسافراس"، في حين أن "المتة" المستهلكة بكثرة بسوريا، كانت معروفة باسم شاي البارغواي، وكانت المشروب الوطني لأغلبية سكان أميركا الجنوبية منذ قرون.
من المعروف خارج بلدان آسيا المنتجة للشاي، تتميز بريطانيا بطقوس خاصة للشاي جاءت عبر مسار بدأ بفرض الضرائب في المحلات العامة، تبدأ من جالون الشاي الواحد. وفي عام 1745 كتب قاضي إسكوتلندي منتقدا الانتشار الواسع للشاي "حتى أفقر العائلات، باتوا يستهلون صباحهم بكوب من الشاي، مستغنين بذلك عن الجعة، التي كانت مشروبهم اليومي المعتاد". ومن الطريف ان عادة شاي الساعة الخامسة التي اصبحت رمزاً للأناقة والترف في مطلع القرن العشرين، يمكن تتبع جذورها الى نساء الطبقة العاملة قبل أكثر من 150 عاما. وكتب الروائي تشارلز ديكنز: ورغم كل شيء، كانت عاملة غسل الثياب تترقب شاي ما بعد الظهر كمن ينتظر جرعة حياة بعد 12 ساعة من الكدح المضني".
اما عن خصائص نبتة الشاي، فهي لا تبدو لافتة للنظر من حيث الشكل، ولا تحمل ما يشير إلى قيمتها وفرادتها، وهي تشبه إلى حد كبير شجرة البرتقال، أوراقها الناضجة ناعمة اللمس، جلدية القوام، خضراء داكنة، وحوافها دقيقة التسنن تمتد من الطرف حتى أسفل الساق، وليس لها رائحة أو نكهة حينما يتم مضغها، وما يعطيها المزايا اللاحقة يعود الى التجفيف والتسخين التدريجي، مما يحولها إلى شراب لذيذ ونافع. والمدهش ان بعضا من اطيب انواع الشاي الصيني مذاقا، والأغلى سعرا، يزرع في جيوب ومسطحات جبلية وسط جبال وعرة، ويعرف بـ"شاي التلال"، لتمييزه عن "حدائق الشاي" المزروعه في السهول والأراضي المنبسطة. ويجمع الرحالة الذين اقتفوا أثرها ان هذه النبتة ليست فقط صالحة للزراعة والاستهلاك، بل تصلح للتأمل والتعلم، لأنها تضعنا وجها لوجه أمام سؤال الطبيعة.
يخصص الكاتب فصلين مهمين لتاريخ الشاي. أحدهما عن زراعته في الصين والهند على حد سوا، حيث يسود تقليد زراعي متقارب، تغرس الشجيرات على مسافات تبعد اربعة اقدام، وتقلم على الدوام، ولكن أوراق الشاي لا تقطف الا بعد ثلاث سنوات. أما الثاني فهو يتناول صناعة الشاي وهي تختلف ما بين الأخضر والأسود والأحمر، ولكل منها تقنية خاصة بالقطاف والتجفيف والتوضيب، حتى تتخلص من عصارتها الداخلية. ويجمع العلماء الكيمائيون على أن لأوراق الشاي، بعد معالجتها ثلاثة مكونات رئيسية تعزى اليها مجمل آثاره الفيسيولوجية، وهي الثيين، وهو المركب المنبه الرئيسي، والزيوت العطرية المسؤولة عن عبير الشاي ومذاقه الفريد، والعفص الذي يمنح الشاي شيئاً من المذاق المر. ويشير المؤلف إلى أن المادة المنبهة موجودة في الورقة الخضراء، ولا تتغير في التصنيع، بل تبقى محتفظة بخصائصها في الورقة المجففة كما في الشراب.
فوائد الشاي كثيرة، لكنه لا يؤثر على كل الأشخاص بالطريقة ذاتها، وهناك خلط بين الاثار التي يحدثها، وهناك من يرى بأنه يزيد الهدم داخل الجسم، وينشط كل وظيفة من وظائفه، وآخر يعتقد انه يبعث على الانتعاش، ويحفز النشاط، ومع ذلك فهو يهدئ الاعصاب، ويسكن الدورة الدموية، ويقلل من استهلاك الجسم للغذاء. ولا فرق هنا بين شرب الشاي ساخناً أو بارداً. وهو في نهاية المطاف مشروب مزاجي، تباين العلماء في الموقف من آثاره، فالشاي الذي يبهج أحدهم قد يقلق الآخر، والذي يعين صاحب الفكر على الاستغراق، قد يلهي غيره عن التركيز. وهنا يكمن السحر.




