تحيّة كاريوكا، وسامية جمال، ونادية جمال، ونبوية مصطفى، وسهير زكي، أسماء صنعت أمجاد الرقص الشرقي، وجسّدته لغةً راقية متجذّرة في تراثنا، حوّلت الإيقاعات الموسيقيّة إلى تعبيرٍ بصريّ حيّ. في الزمن الجميل، طوّرت هؤلاء الراقصات أجسادهنّ وأدواتهنّ الفنيّة، ونجحت كلّ واحدة منهنّ في ترك بصمتها الخاصّة في مسيرة هذا الفنّ، بوصفه ممارسة جماليّة وثقافيّة لا مجرّد استعراض.
لكنّ الرقص الشرقي لم يواصل مسار التطوّر نفسه. اليوم، نادراً ما نشهد عروضاً تحتفي به كفنّ قائم بذاته، إذ يقتصر حضوره غالباً على حفلاتٍ تجاريّة تقدّم راقصات لم يتدرّبن على تقنيّاته الأصيلة، ولم ينهلن من أرشيفه الغني، بل يختزلنه في هزّ المفاتن وصورة نمطيّة تقوم على الإغراء الجسدي فحسب.
في المقابل، استورد الغرب الرقص الشرقي وقدّمه ضمن إطارٍ استشراقي؛ ورغم إتقان كثير من الراقصات الغربيّات لتقنيّاته، إلّا أنّ الأداء يبقى في الغالب منفصلاً عن الإحساس العميق بالموسيقى الشرقيّة وسياقاتها الثقافيّة. وبين هذا وذاك، وُسِم الرقص الشرقي في بلداننا العربيّة، وحُصر في نظرةٍ أخلاقيّة ضيّقة أفقدته كثيراً من شرعيّته الفنيّة.
"راقصة على وشك…": استعادة الفنّ من الهامش
من هذا المنطلق، ينبثق عرض "راقصة على وشك…" (60 د.)، الذي عُرض أخيراً لليلتين متتاليتين على خشبة مسرح "زقاق" (الكرنتينا – بيروت). هو عرض فردي من تصميم وتأدية مصمّمة الرقص والمؤدّية وصانعة الأفلام روللي ديب، وُلد من نسج الخيال، ليجسّد كباريه متخيّلاً (كباريه لولو) يتشكّل من تاريخ الرقص الشرقي ومن النساء اللواتي صنعنه وغيّرن معناه.
ثلاث مرايا مضاءة، وشاشة تعرض لقطات من أفلامٍ شكّلت نظرتنا إلى الراقصات، ومقاطع رقص حفرت في ذاكرتنا الجماعيّة، إلى جانب موسيقى تمزج بين الأرشيف والموسيقى الإلكترونيّة المعاصرة (تأليف ساري موسى)، شكّلت مع ديب، التي تظهر بشخصيّتها "لولو"، نواة العرض. وبحسب البيان الصحافي، فإنّ "لولو" هي شخصيّة الفنّانة التي "تسكن مساحات لم تستطع الفنانة، أو لم يُسمح لها، أن تسكنها".
الجسد يتذكّر… ويواجه
يضيء العرض على قضايا متعدّدة تتعلّق بالرقص الشرقي، وتستقي المؤدّية حركاتها من حركات الراقصات اللواتي صنعن أمجاده. تارةً يشكّل جسدها حركات الهارمونيا الشرقيّة القديمة التي تذكّرنا بتحيّة كاريوكا، وطوراً تنهال مع الإيقاع لتشكّل لوحات تتلبّسها روح سامية جمال، ثمّ تتماوج بخصرها فتستحضر خصر سهير زكي.
تتنقّل "لولو" بين مرآةٍ وأخرى؛ مرّةً لتعدّل ثوبها، وأخرى لتحمّر شفتيها أو تفرد شعرها، فنشعر، كمشاهدين، بأنّنا لا نتابع عرضاً راقصاً فحسب، بل نشارك الراقصة طقوس تحضيرها للرقصة التالية.
في إحدى مراحل العرض، ترقص "لولو" على وقع الصمت: لا موسيقى، لا كلام، فقط الجسد المتمايل. هنا، يتحوّل الرقص إلى مشهدٍ فنّي مكتمل، ولغة لا تحتاج إلى أي إضافة، تُجبر المشاهد على التركيز في حركة الجسد وحدها.
وفي لحظة صمتٍ أخرى، تقترب المؤدّية من الجمهور، تضع الميكروفون أمامها، وتردّد جملاً مثل: "ما عنا بنات بيرقصوا… إذا أردت الرقص، تعلّمي وعلّمي، لكن لا تصبحين رقّاصة… ماذا سنقول لابن الجيران؟ من مديرة شركة… إلى رقّاصة؟!"
بهذا المشهد، تُعرّي ديب نظرة المجتمع إلى الراقصات، والوصمة الملازمة لمهنة الرقص، كما تلامس أحاديث شائعة عن الراقصات اللواتي تقدّمن في العمر وما زلن يرقصن، وكأنّ الجسد يفقد حقّه في التعبير مع الزمن.
جسدٌ خارج الزمن
تبدو روللي ديب وكأنّها ترقص خارج الزمان والمكان، في بُعدٍ آخر لا يريد شيئاً سوى أن يكون وأن يرقص. لا ينقصها شيء من التقنيّات أو الإحساس، بل تحيط بها هالة خاصّة تجذب المشاهد وتحثّه على التأمّل في كلّ حركة. ترقص مرّةً وهي تمسك بالصاجات وقد أتقنت إيقاعها، ومرّةً تحمل شالاً شفافاً. ترقص بكعبٍ عالٍ غير مبالغ فيه، ثمّ حافية القدمين.
لا تبالغ في استعراض ما تملك من تقنيّات، ولا في الدلع، ورغم استحضارها أمجاد راقصات عرفهنّ العالم العربي، فإنّها تمتلك هويّة خاصّة وفريدة، تظهر بقوّة من دون جهد أو تصنّع. من الصعب تقديم الرقص البلدي بروحٍ معاصرة من دون أن يفقد رونقه وفرادته، إلّا أنّ روللي ديب تنجح في تحقيق هذه المعادلة.
من الأرشيف إلى الجسد
تلعب الموسيقى دوراً محوريّاً في العرض، إذ تساهم في صياغة قصّة الفنانة مع الرقص الشرقي، كما في تجاربها الحركيّة مع الأصوات والإيقاعات والمشاهد الأرشيفيّة المعروضة على الشاشة خلفها. أمّا بخصوص العمليّة الكوريغرافيّة، فكما ورد في البيان الصحافي: "العمليّة الكوريغرافيّة وراء العرض متجذّرة في بحثٍ مجسّد طويل الأمد، تعمل فيه الفنانة عبر الحركة بوصفها أداة استقصاء. درست على مدى سنوات راقصاتٍ من حقبات مختلفة عبر أرشيفات الأفلام، وتعلّمت الحركات عبر الجسد، لا لإعادة إنتاجها، بل لفهم سياقات ظهورها وما الذي يبقى منها اليوم. هكذا تحوّلت الأساليب إلى أدوات، ومفردات الحركة إلى لغات".
الرقص الشرقي: فنٌّ يُقاوم اختزاله
عرض "راقصة على وشك…" تمّ تطويره بدعم من المورد الثقافي العربي "آفاق"، لا يقدّم مجرّد تحيّة إلى الرقص الشرقي، بل يسعى إلى استعادته من الهامش، ومن التشويه، ومن الوصمة. هو دعوة لإعادة النظر في هذا الفنّ بوصفه ذاكرة جسديّة حيّة، ولغة تعبّر عمّا ليس له مفردات في معاجم اللغات جميعها.
(*) روللي ديب
مصممة رقص ومؤديّة وصانعة أفلام. تعمل بين الرقص والسينما والعلاج بالحركة. متجذّرة في الرقص البلدي، يستكشف بحثها الفني الأنوثة والرغبة والسلطة. تعيش وتعمل بين بيروت وبرشلونة.




