"كلّ قوم صانعو نيرونهم/قيصراً سمّوه أم سمّوه كسرى" (خليل مطران)
لا ضرورة للاستنجاد بظاهرة "أبي عمر" كي ندرك مدى انحطاط ما يُعرف بالطبقة السياسيّة في لبنان، إذ يكفي إنعام النظر في هذا القدر من التملّق الذي يصاحب، كلّ سنة، ذكرى استشهاد الرئيس رفيق الحريريّ، كي يستقيم هذا الإدراك ويتعزّز: خصوم الأمس وملتبسو اليوم يتملّقون؛ الطاعنون في الظهور يتملّقون؛ الذين ارتصّوا قديماً في صفوف الحريريّة السياسيّة، ثمّ رموها كعقب سيجارة، يتملّقون؛ الذين استفادوا وانتهزوا يتملّقون؛ الذين لم يستفيدوا ولم ينتهزوا، لكنّهم يراهنون على ما يشبه عودة فلسفة قالب الجبنة الذي يتناتشه الجميع، يتملّقون. والذين كانوا يُعدّون أصدقاء ثمّ تحوّلوا إلى جلّادين، يتملّقون أيضاً. غريب أمر طبقتنا السياسيّة. تخاف أن تموت إذا لم تتملّق. والحقّ أنّها تموت فعلاً حين لا تتملّق، لكونها لا تعرف لها كياناً من خارج اللغو والثرثرة ورصف الألفاظ التي تشبه الأشياء جميعها إلّا معانيها.
هذا كلّه لا يستتبع أنّ تملّق بيت الحريريّ، وسعد الحريريّ بالذات، لا قوام له ولا مغزى. قوامه ومغزاه أنّ غالبيّة الأحزاب في لبنان تمتدح الميّت بعد موته، والقتيل بعد قتله، والشهيد بعد استشهاده، كي تحافظ على ما تبقّى من وجودها. فهي تدرك، بفطرة الماكر، أنّها غير قادرة على الاستمرار خارج اللعبة الطائفيّة التي تتغذّى من الزبائنيّة تارةً، ومن شيطنة الآخر طوراً. وهذا كلّه يحتاج بالضرورة إلى المركّبة السنّيّة كي تبرهن أحزاب لبنان لذاتها أوّلاً، ولجمهورها الساذج ثانياً، أنّ عِقد الطائفيّة السياسيّة مكتمل. يتحدّثون عن الفراغ في "الشارع" السنّيّ، وعن ضرورة أن تستعاد القيادة السنّيّة "المعتدلة". ولا يندر أن يقع سعد الحريريّ نفسه في فخّ هذا الخطاب الآتي من أزمنة بائدة، وكأنّ معظم أهل السنّة، وهم قوم دولة وحصافة، قد تحوّلوا إلى إرهابيّين. بيد أنّ هذا الكلام حقّ يراد به باطل. فالتشديد على ضرورة أن تستعيد الحريريّة دورها إن هو إلّا سعي لإعادة ترميم فيدراليّة الأحزاب الطائفيّة على عتبة انتخابات برلمانيّة لا يمتلك أحد مفاتيح حصولها.
ظاهرة التملّق هذه تأخذنا إلى الأسطرة المحيقة بذكرى اغتيال الحريريّ الأب. لا ريب في أنّ الناس في لبنان يصنعون أساطيرهم على قدر ما يستسهلون القفز فوق التاريخ. العيش من الأساطير، وفي الأساطير، عارض من عوارض داء أعمق عنوانه الاستغراق في الغيبيّات والركون إلى الماضي المخترَع عوضاً عن الإقبال على الحاضر بالنقد واجتراح المستقبل بالعقل. كلّ قوم في لبنان صانعو أسطورتهم: من الزعيم كمال جنبلاط مروراً بالرئيس بشير الجميّل والشيخ رفيق الحريريّ وصولاً إلى السيّد حسن نصرالله. لكنّ معظم هذه الأساطير مثقوبة، بمعنى أنُ هناك مَن ينفي الأسطورة ويسعى إلى تفكيكها: ثمّة مَن يتحدّث عن تحالف كمال جنبلاط مع الثورة الفلسطينيّة كي يهزم أهل بلده. ثمّة مَن يتكلّم على انتخاب الشيخ بشير رئيساً ممتطياً دبّابةً إسرائيليّة. ثمّة مَن يعيب على حسن نصرالله كونه بيدقاً "فوق العادة" من بيادق المشروع الفارسيّ على ضفاف الأبيض المتوسّط. وحدها أسطورة رفيق الحريريّ مستمرّة في كونها أسطورةً بيضاء لا ينتقدها أحد حتّى الذين كانوا خصومه، حتّى الذين قتلوه، وذلك مع أنّ سيرة الرجل لا تحيل على العمران والمشروع الطموح فحسب، بل تنطوي أيضاً على باب موارب ينفتح على ضغط رأس المال وتدمير النسيج المدينيّ في وسط بيروت ومحو جزء من ذاكرة هذه المدينة. لعلّ تفسير هذه الظاهرة الغرائبيّة مفتاحه أنّ الطبقة السياسيّة لم تتيقّن بعد من اندثار الحريريّة. وتتمنّى، في قرارة ذاتها، عودة الحريريّ الإبن كي تعيد رتق الثقب الذي أحدثه غيابه في طغمة الأحزاب التي تغتذي من امتصاص نسغ الطائفيّة، وتسعى إلى تجديد شبابها كالنسر في الانتخابات المقبلة.
لا حاجة إلى "أبي عمر" ومَن مثله كي نلمّ بهذا كلّه. فالأمر لا يحتاج إلّا إلى قليل من النظر الثاقب، وقليل من التحليل. وهذا كلّ ما في الأمر.




